... فبعد الطوفان کان فی الأرض کلها لغة واحدة وکلمات متماثلة ، بید أن الکبریاء قاد الناس إلی الرغبة فی مضارعة الرب وإلی بناء برج یصلهم بأسباب السماء ، ولکی ینزل بهم العقاب جزاءً لهم علی ادعائهم وجبروتهم والحیلولة دون بناء الجدار ، جاء قضاء الرب : فلننزل ولنبلبل لغتهم حتی لا یفهم بعضهم لغة بعض .... ولهذا سمیت بابل لأن الرب بلبل هناک لغة الناس جمیعاً ومن هناک شتتهم الرب علی وجه الأرض کلها . (الإصحاح 11 – سفر التکوین)
ما جاء فی سفر التکوین أو نسبت إلیه من روایة اختلاف اللغات هی لیست إلا أسطورة ، تسمی « الأسطورة البابلیة » . إن نقمة الرب فی جعل اللغات مختلفة أو متبلبلة کما جاء فی هذا السفر معتقد أو تصور لم یعد الیوم مقبولاً أو معقولاً . لیس من منظور الدراسات اللغویة والألسنیة الحدیثة فحسب بل حتی قبل ذلک بقرون . إذ أن الإغریق قدیماً وفلاسفتها وکذلک المسلمین قد تقبلوا هذا الواقع المتنوع والمختلف للغات . فیمکننا القول بأن عامل التنوع والإختلاف من بین العوامل الهامة الأخری هو بالتحدید ما أدی إلی الإهتمام باللغة . فقد اعتبر المسلمون هذا الواقع آیة من آیات الله ومن نعمه علی الناس « ومن آیاته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتکم .. » (الروم ، 23) . رغم هذا فهناک من سعی ویسعی إلی فرض لغة واحدة لا للوحدة والوئام – کما یروج لها - ولا إیماناً بالأسطورة البابلیة ، بل لأغراض سیاسیة و مآرب ایدیولوجیة تعسفیة ، لطمس الهویات المختلفة وتهمیش شعوبها . لم تعد فکرة توحید اللغات مطلباً مقبولاً الیوم کما کانت تبرره بعض الأنظمة فی الماضی . فقد توصل علماء اللغة والإجتماع الیوم إلی أن الإختلاف اللغوی لم یکن بأی حال من الأحوال مخلاً بالوحدة الوطنیة ، بل إن ما یضر الوحدة الوطنیة هو التخاصم والخلاف ولیس التنوع والإختلاف . تؤکد الکثیر من الدراسات علی أن تعدد اللغات واللهجات هو أکثر شمولاً وعمقاً مما یتصوره البعض والعوائق الإجتماعیة التی تقاوم التداخل والتماهی بین اللغات هی أکثر من العوائق الجغرافیة وهذا ما یضمن بقاء اللغات واستمرارها . وأما الحقیقة الثابتة الیوم هی أن اللغات واللهجات المختلفة لمجتمع ما تشکل جزءاً من الثروة الثقافیة لذلک المجتمع .
أما بعیداً عن عالم الأساطیر وعالم السیاسة کذلک ، نحاول ومن خلال هذه السطور أن نعرج ولو بإیجاز شدید علی علم اللغة باعتباره نتاج مخاضات فکریة وعقلیة کسائر العلوم البشریة مارسها الإنسان منذ قرون ، ومن ثم نلقی بعض الضوء علی مفهوم اللغة نفسها وعلی حقیقة هذه الظاهرة ونتناول من خلالها موضوع هذا المقال أی اللغة الأم .