اللاتاریخیة السلفیة (مشاریع الأسلاف أم إفلاس المشاریع)
ساعت ۱:۱٠ ‎ب.ظ روز ۱۳۸٩/۱٠/٢٦   کلمات کلیدی: اللاتاریخیة ،الخطاب ،السلفیة ،المشاریع

 

 

کل من لم یع تاریخه یجد نفسه مجبراً علی تکرار الماضی (هیجل)

 

 الموضوع الذی یتناوله هذا المقال هو نقد لبعض المشاریع الإسلامیة التی تتطلع إلی إیجاد حل لأزمات الحاضر عبر الغور فی الماضی واستنهاضه لیس - کما ینبغی -  من خلال دراسة التراث ونقده بل من خلال استحضاره واستعادته کما هو ، أو بالأحری من خلال اللجوء إلیه کما لو کان یعیش أصحابها فی ذلک الزمن السحیق دون أی اهتمام أو وعی بتأریخیة الرسالة وضرورة استیعاب الحاضر والمتغیرات . من أهم هذه المشاریع٭هی تلک التی تتبناها الیوم التیارات السلفیة عموماً بدءاً من حرکاتها الأصولیة الإسلامیة المسلحة إلی أحزابها ومنظماتها المعارضة غیر المسلحة ووصولاً بمؤسساتها التابعة للنظام الحاکم . لابد لنا وقبل تناولنا للموضوع أن نذکر القارئ العزیز بأن المقال هذا  لیس من شأنه تقدیم حلول أو مقترحات بدیلة ، لهذا یمکن وصفه بالتقریری .

 تقدیم :

 السلف والسلیف والسالف والسلفة تعنی کما جاء فی قوامیس اللغة المختلفة ؛ المتقدم ، الجد الأکبر والأسلاف للجمع وهی تعنی الجماعة المتقدمة أو المتقدمون . السلفیون هم أولئک الذین نحلوا أنفسهم ذلک الوصف وکانوا من الحنابلة ، إذ ظهروا فی القرن الرابع الهجری وزعموا أن جملة آرائهم تنتهی إلی ‹‹أحمد بن حنبل›› الذی أحیا کما یعتقدون عقیدة السلف وحارب دونها ، ثم تجدد ظهورهم فی القرن السابع الهجری علی ید ابن تیمیة ، حیث یری البعض أن لفظ السلفیة قد اکتسب فی الحقیقة دلالة اصطلاحیة مذهبیة مع ابن تیمیة وتلمیذه ابن القیم الجوزیة . فالمراد بمذهب السلف ؛ هو الطریقة التی سار علیها السلف الصالح أی الصحابة والتابعین لهم بإحسان . بعد سقوط الدولة العثمانیة التی کانت تمثل الخلافة الإسلامیة من الناحیة الشکلیة، بدأت السلفیة تتحرک وتستعید نشاطها لإحیاء السنة ومحاربة البدع من جهة والحد من التدخل الأجنبی (الأوروبی) من جهة أخری . فظهرت الحرکة الوهابیة فی الجزیرة العربیة فی القرن الثانی عشر علی ید محمد بن عبدالوهاب ، وانتشرت لاحقاً إلی بلدان إسلامیة أخری . ثم بعد أن فشلت السلفیة هذه فی أن تکون بمستوی التحدی القائم ،  جنحت إلی الإصلاح فی بعض آرائها أو تعدیلها أو لنقل تحسینها مما أدی إلی قیام حرکات إصلاحیة تنتهج التوفیق (أو التلفیق) بین عقیدة السلف وتحدیات الحاضر . کان من رموز هذه الحرکات جمال الدین الأفغانی ومحمد عبده ورشید رضا ومع امتدادها ظهرت شخصیات أخری فی المجتمعات الإسلامیة مثل عبدالرحمن الکواکبی وعلال الفاسی وابن بادیس و... لا شک إن الحرکات الإصلاحیة الإسلامیة انطلقت بمشروع نهضوی کبیر غیر أن ما عرضه للإخفاق هو إقحام عملیة الأسلمة فی المشروع ، وهذا ما جعله ینقسم إلی تیارین أصولی متطرف وإسلامی معتدل إلی حد ما و هو تقسیم یقع علی طرفی نقیض . علی أی حال فقد استمر الفکر السلفی و ظل قائماً بتقسیماته و تشعباته حتی الیوم و قد لا نجانب الصواب لو قلنا بأنه أصبح أشد تناقضاً و أکثر تخلفاً ببرنامجه و ممارساته علی أرض الواقع .

<!--[if !supportFootnotes]-->

<!--[endif]-->

٭ هناک مشاریع مماثلة للتیارات القومیة أو القومجیة تعتمد فی برامجها التراث القومی دون کبیر اهتمام للتطورات و المتغیرات العالمیة .

- تاریخ المذاهب الإسلامیة – ص 190 .


 

السلفیة ؛ (النشأة والتاریخ) :

ظهر الفکر السلفی أو السلفیة باعتبارها مذهباً أو حرکة أو تیاراً ، أول ما ظهر فی القرن الرابع الهجری معارضاً للفکر الإعتزالی الذی یعتمد فی تبیینه للعقائد الإسلامیة علی الفکر الفلسفی والذی یستند هذا الأخیر بدوره علی الفلسفة والمنطق الیونانی . کان معظم أصحاب التیار السلفی من الحنابلة وینسبون آرائهم العقیدیة وکذلک أحکامهم الفقهیة إلی الإمام أحمد بن حنبل . یقوم هذا الفکر علی أساس إحیاء السنة بل الإسلام الصحیح ، کما یدعی أصحابه ، أو محاربة الکفر والمرتدین عن دینهم !! وإنقاذ الأمة من براثن الشرک المتنکر باسم التأویل والذی فرق الأمة ما بین العلمانیة المرتدة الخارجة عن الدین وعلیه والصوفیة المبتدعة الضالة والمضلة فیه .

السلفیة إذن هی الأیدیولوجیة الأصولیة الإسلامیة التی تسعی حسب تصور أصحابها إلی إعادة الماضی وإحیاء سیرة السلف للتوصل إلی نتائج تخدم الحاضر . لا شک أن خطاب السلفیة هو خطاب أیدیولوجی یدعو إلی اتباع سیرة السلف الصالح والإهتمام و الإقتداء بها فی العقیدة والتنظیر والسلوک العملی . یری المذهب السلفی إن الإسلام یجب أن یطبق کما هو أی کما کان فی زمن الرسول (ص) والصحابة والتابعین وأن المصدر الوحید لفهم الإسلام کما یری أیضاً السلفیون أنفسهم هو الکتاب والسنة . یعرف أحد المفکرین العرب مصطلح السلفیة العام بقوله : ‹‹ .. نمطاً یقتصر علی استخدام المصطلح الإسلامی الأصلی ویتخذ من قیم الإسلام ومبادئه معیاره الوحید فی النظر والحکم ، ومن النص النقلی مرجعه النهائی فی التدلیل والإثبات ؛ دون أن یستوحی عناصر فکریة مستقلة من خارج الأصولیة الإسلامیة للإستعانة بها فی تبریره الفکری ودفاعه العقیدی .... کما إنه لا ینهج سبیل التأویل العقلی لیری إمکانیة إعادة صیاغتها وصهرها فی البوتقة الإسلامیة . وقد انقسم هذا النمط إلی فرعین : فرع یتشدد فی التمسک بالنص والنقل ، وفرع أقل تشدداً یسمح بالرأی (وهو الإجتهاد أو القیاس الفقهی ، ولیس الرأی الفکری أو الفلسفی) وذلک فی حدود جزئیة لا تمس جوهر العقیدة وثبات الأصول . وأقرب مصطلح شامل یمکن أن نستخدمه تعبیراً عن هذا النمط من الفکر هو مصطلح السلفیة ››<!--[if !supportFootnotes]-->[1]<!--[endif]--> . لا یکون فی الفکر السلفی مجالاً للأسالیب العقلیة فی دراسة النصوص الدینیه وتفسیرها وکذلک لا یقر السلفیون بالتأویل واستخدام المناهج المنطقیة فی فهم العقیدة الإسلامیة ولا ینبغی ذلک لهم أساساً . فالتیار السلفی ‹‹ یری أن قاعدة فهم النص ینبغی أن تظل مقیدة بمعانیه کما فهمت زمن نزوله ، لذلک فالتفسیر التراثی السلفی یعتمد ما ورد عن الرسول والصحابة الذین شهدوا نزول الوحی وکانوا من ثم أقدر علی فهم دلالته ››<!--[if !supportFootnotes]-->[2]<!--[endif]-->. إن السلفیین کما یصورهم ابن تیمیة یرون أنه لا سبیل إلی معرفة العقیدة والأحکام وکل ما یتصل بها إجمالاً وتفصیلاً واعتقاداً واستدلالاً إلا من القرآن الکریم والسنة المبینة له والسیر فی مسارها ، فما یقرره القرآن الکریم وما تشرحه السنة مقبول لا یصح رده خلعاً للربقة ، فلیس للعقل سلطان فی تأویل القرآن الکریم وتفسیره أو تخریجه إلا بالقدر الذی تؤدی إلیه العبارات ، وما تضافرت علیه الأخبار .... هذا هو منهاجهم ، وهو یجعل العقل سائراً وراء النقل یعززه ویقویه ولا یستقل بالإستدلال<!--[if !supportFootnotes]-->[3]<!--[endif]-->. أما استراتیجیة هذا التیار الیوم هو تقدیم مشروع متکامل لحل کل المشاکل والأزمات الراهنة والتی تعانی منها الأمة الإسلامیة وکذلک تأسیس نموذج صالح لتحدیات العصر وبناء المستقبل وذلک -  بطبیعة الفکرة التی تتبناها السلفیة یمکن تحقیقه عبر اتباع السنة وسیرة السلف الصالح کما أشرنا من قبل . ولکن کیف ؟!! فالتحدیات الکبری التی یواجهه الفکر السلفی هی ما تکمن فی معالجتهم لمثل هذه القضایا ؛ والأسئلة التی تطرح نفسها بإلحاح شدید هی کالتالی : کیف یتسنی عملیاً و موضوعیاً الرجوع إلی السلف ؟ کیف یتمکن السلفیون من بناء خلافتهم فی هذا العصر علی غرار ما کانت علیه الخلافة الراشدة ؟ کیف یمکن الإستغناء عن معطیات الحاضر و إنتاجاته ؟ کیف یتم تبریر التخلف و التأخر و الضعف ؟ و...  إلا أن هذا التیار أو قل بعضه قد وعی فی نفس الوقت الموانع الکبری والتحدیات العصیبة التی جاءت بها الحداثة والثورات العلمیة الخطیرة وتنبه أیضاً إلی عدم إمکانیته وقدرته علی الإستجابة لجمیع متطلبات المجتمع المعاصر ولو لم یتدارک الوضع علی أسس قویة ومقنعه قد یؤدی به تخبطه بین القدیم والجدید أو السنة - التراث والحداثة إلی إفشال المشروع برمته ، لهذا لجأ هذا البعض أو قسم من هذا التیار إلی المنهج التوفیقی (أو التلفیقی) لیوافق بین التراث (- السنة) والحداثة (- المعاصرة) وینأی عن التناقضات و یتمکن من التجاوب مع الأجیال والتواصل معهم ، ولکنه ورغم ذلک ظل متمسکاً بالأساس السلفی لخطابه . فالخطاب بشکل عام لدی هذا المذهب أو التیار هو خطاب سلفی ولا یختلف فی رؤاه وتطلعاته سواء کان خاضعاً للدولة والنظام الحاکم کالأزهریین فی مصر والوهابیین فی السعودیة أو أحزاباً وتنظیمات وحرکات تهدف إلی إقامة حکومة دینیة أو خلافة إسلامیة وتطبیق الشریعة . إذن فالسلفیة المعاصرة أو الفکر السلفی المعاصر الیوم أصبح إما مسایراً للأنظمة الحاکمة وقائماً فی ظله ، ینتفخ جاهاً ومالاً وسلطاناً بتجارة الأحکام والفتاوی لصالح السلطة السیاسیة ، أو مناوئاً ومعارضاً لسیاسة النظام السیاسی الحاکم فتظهر أفکاره ونشاطاته من خلال الحرکات الجهادیة والتنظیمات المعارضة ، وذلک لتغییر الحکم والنظام الحاکم ، فیستغل بذلک مشاعر الجماهیر المؤمنة والمضطهدة باسم الجهاد من أجل تأسیس حکومة إسلامیة عادلة نقول استغلال مشاعر الجماهیر ذلک أن الجماهیر لم تکن تحلم بحکومة إسلامیة علی الشکل الذی یتصوره السلفی الجهادی وهذا ما یؤکده الباحث العراقی ‹‹هادی العلوی›› بقوله : ‹‹ .. ومن الضلال السیاسی أن یفسر اتجاه الجماهیر هذا بأنه مدفوع بحلم إقامة الحکم الدینی .... إن هذا حلم السلفیة السیاسیة ، التی قد ترکب موجة الجماهیر المعادیة للغرب فی لحظة ما ..››<!--[if !supportFootnotes]-->[4]<!--[endif]-->.  

فالنلقی نظرة سریعة وخاطفة علی بعض عناصر وأعلام هذا التیار المؤثرة وبعض الأحداث والمفاهیم الهامة . لم یکن اختیارنا لهذه العناصر أو الشخصیات اختیاراً عشوائیاً أو تم الترکیز علیها اعتباطاً ، فقد أسسوا هؤلاء فیما قاموا به من تنظیر وممارسة ، لنمط من التفکیر الدینی لیس یخلو من أی لین ومرونة فحسب بل یبتنی علی جزمیات حالکة وثنائیات مهلکة هالکة .

 

أحمد بن حنبل (164 241) :    

ولد أحمد بن حنبل سنة 164 هجریة فی بغداد ، نشأ هناک عالماً محدثاً واشتهر فیها . ثم أصبح من کبار علمائها ومحدثیها . کان عالماً برجال الحدیث والرواة وإلیه ینسب الفقه الحنبلی أو المذهب الحنبلی . یقول ‹‹ محمد أبوزهرة ›› فی کتابه ‹‹ تاریخ المذاهب الإسلامیة ›› : ‹‹ قد جاءت به أمه حاملاً من مرو التی کان بها أبوه ؛ وهو عربی النسب من جهة أبیه ومن جهة أمه ، إذ ینتمیان إلی قبیلة شیبان .. ››<!--[if !supportFootnotes]-->[5]<!--[endif]-->. فهو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشیبانی المروزی ثم البغدادی . إنکب أحمد بن حنبل منذ صباه علی دراسة العلوم الإسلامیة وحفظ القرآن وتعلم العربیة والحدیث وآثار الصحابة والتابعین والسیرة . فقد کان کما یقال آیة فی الحفظ والضبط وعلی حد تعبیر ابن خلدون کان من علیة المحدثین<!--[if !supportFootnotes]-->[6]<!--[endif]-->. وقد یکون هذا ما جعله یمیل إلی روایة الحدیث وتدوینه . قیل إنه ابتدأ تلقی الحدیث وهو فی الخامسة عشرة من عمره ، حتی أصبح من أمراء أهل السنة فی الحدیث فی الوقت الذی کان فیه فقه الرأی یسود العراق ، إذ کان الفقه منقسماً إلی ‹‹ طریقتین ؛ طریقة أهل الرأی و القیاس و هم أهل العراق و طریقة أهل الحدیث و هم أهل الحجاز و کان الحدیث قلیلاً فی أهل العراق .. ››<!--[if !supportFootnotes]-->[7]<!--[endif]--> .

یذکر فی بعض المصادر إن ابن حنبل کان محدثاً سلفیاً یعارض الفقه والإجتهاد ویتمسک بآرائه بالقرآن والحدیث ولهذا لا یعدونه فقهیاً ، إلا أن البعض الآخر یری فیه فقیهاً کبیراً ویستدل فی ذلک بقوله : ‹‹ أن السنة التی کان یجمعها هی أحادیث رسول الله (ص) وفتاوی أصحابه وأقضیتهم وفتاوی التابعین وأقضیتهم وأن هذه الروایات فوق أنها سنن مأثورة هی فقه عمیق ودقیق ، ولذلک لا نقول أنه فی روایاته وانغماره فیها کان منقطعاً عن الفقه والمسائل والفتاوی بل کان متصلاً بالفقه غیر منقطع فیها ››<!--[if !supportFootnotes]-->[8]<!--[endif]-->. کان أحمد بن حنبل علی نهج أهل الحدیث أی کان یعارض التفسیر والتأویل لآیات القرآن أو الأحادیث النبویة ولهذا قد خالف الکثیر من المذاهب والفرق الإسلامیة کالمعتزلة والشیعة والقدریة والجهمیة . کان یبغض أهل الکلام ویعارض بشدة المباحث الجدلیة والنقاشات الفلسفیة التی یطرحونها . إنه کان شدید العصبیة علی مذهبه وکان یعرف أیضاً بالتشدد والحدة فی آرائه وأحکامه .  

من أهم آثاره هو مسنده الذی یعرف بمسند أحمد بن حنبل . ‹‹ فقد انتخب مسنده وحده من 75000 حدیث مع أن أحادیث هذا المسند لا تبلغ الأربعین ألفاً ››<!--[if !supportFootnotes]-->[9]<!--[endif]-->. یقول الدکتور ‹‹صبحی الصالح›› عن مکانة مسند أحمد بن حنبل بین کتب الأحادیث : ‹‹ .. وهو إلی جانب کتب الأحادیث الأخری کالجامع للترمذی وسنن أبی داود یکون فی الطبقة الثانیة من تقسیمات کتب الحدیث ››<!--[if !supportFootnotes]-->[10]<!--[endif]-->. بینما یصنفه البعض فی الدرجة الثالثة بعد الصحیحین و السنن<!--[if !supportFootnotes]-->[11]<!--[endif]-->. علی أی حال فالعلماء من أهل السنة یجمعون علی أن مسند الإمام أحمد بن حنبل هو من أوفی تلک المسانید وأوسعها . کما أن له کتباً أخری منها : فضائل الصحابة والأشربة وأحکام النساء والرد علی الجهمیة وکتاب الصلوة والعلل ومعرفة الرجال والأسامی و الکنی و.. من الأحداث و الوقائع الهامة والمؤثرة بشکل کبیر علی حیاة ابن حنبل و شهرته هی الأحداث التی عرفت فیما بعد بالمحنة . حیث قال ‹‹ابن المدینی›› : ‹‹ إن الله أید هذا الدین بأبی بکر الصدیق یوم الردة وبأحمد بن حنبل یوم المحنة ››<!--[if !supportFootnotes]-->[12]<!--[endif]--> .

 

المحنة ( محنة خلق القرآن ) :

کثر الحدیث حول المحنة وما جرت من أحداث خلال هذه الفترة التی استمرت قرابة خمسة عشر عاماً . وکذلک حول الأسباب والدوافع والنتائج و.. إلا أننا نذکرها بإیجاز لأن ما یهمنا فی هذا المجال هو أحمد بن حنبل الذی یعد بطل هذه الواقعة و أسطورة المقاومة فیها وکذلک ما آلت إلیه المعتزلة و أهل الحدیث.

بدأت المحنة منذ عام 218 و استمرت حتی عام 233 هجریاً . کانت باختصار محاولة لفرض جملة آراء فلسفیة تبنتها السلطة (المأمون الخلیفة العباسی) وتتمحور معظمها حول سؤال سرعان ما تحول إلی اختبار الشخصیات والعلماء وهو : هل القرآن مخلوق أم لا ؟ کان المخالف لموقف الخلیفة ورأی المعتزلة فی هذا الشأن أی خلق القرآن ، کان یلقی مختلف العقوبات وصنوف الإضطهاد بدءاً من الفصل عن الوظیفة (المنصب) والنفی أو السجن والجلد و.. إنتهاءاً بالقتل . توالت هذه الممارسات التعسفیة بعد المأمون فی عهد المعتصم وکذلک الواثق وانتهت مع وصول المتوکل إلی الخلافة . عاش أحمد بن حنبل فی عصر المأمون ثم المعتصم ثم الواثق ثم المتوکل . کان المأمون کما مرت الإشارة معتزلی الهوی ، أما ابن حنبل فقد کان بعیداً کل البعد عن الإعتزال والفلسفة بل مخالفاً لما یطرحونها من آراء فی العقیدة وبالذات فی قضیة خلق القرآن ، وعندما جعل المأمون رأی المعتزلة فی هذا الشأن سیاسة لدولته ، أخذ یختبر به العلماء والکتاب والفقهاء والقضاة والنخب السیاسیة ، فکان کل من یعارض هذه الفکرة أو یخالفها أو حتی من لم یعتقد بها ، یتعرض للتعذیب والتنکیل . کان ابن حنبل أحد کبار العلماء والمحدثین الذین تعرضوا للمهانة والسجن والتعذیب والمضایقة خلال فترة ما بین خلافة المأمون وحتی الواثق (218 233) دون أن یتنازل عن موقفه ورأیه ، وقاوم کثیراً دون الإذعان لمقولة السلطة فی خلق القرآن ، ولما تولی المتوکل الخلافة ، أبطل سیاسة تفتیش العقائد هذه وقام خلافاً لما مارسه أسلافه ضد أهل الحدیث ، لاسیما أحمد بن حنبل ، فأکرمه وأحسن إلیه وهذا ما جعله عالماً علماً وفقیهاً بارزاً ومحدثاً ذا شأن وکذلک بطلاً أسطوریاً عند أنصاره وتابعیه . یقول ‹‹ السیوطی ›› عن المتوکل وسیاسته تجاه ما عرفت  بالمحنة : ‹‹ .. فأظهر المیل إلی السنة ، ونصر أهلها ورفع المحنة وکتب بذلک إلی الآفاق وذلک فی سنة أربع وثلاثین واستقدم المحدثین إلی سامراء ، وأجزل عطایاهم وأکرمهم وأمرهم بأن یحدثوا بأحادیث الصفات والرؤیة . ››<!--[if !supportFootnotes]-->[13]<!--[endif]--> .    

تطرح حول أسباب المحنة وملابساتها کثیر من الأسئلة وکذلک کثیر من الآراء والنظریات والتفاسیر ؛ هناک من یری أن المعتزلة قد مثلت فی الواقع بدایة التفاعل مع السائد الدینی المعرفی والفکری فی البلاد المفتوحة وبدایة تحلیل النص المقدس وفق أسس عقلیة . أراد المعتزلة حسب ما یعتقد هؤلاء أن یحلوا تناقضات النص المقدس بتأویل تلک النصوص بما یحقق انسجامها مع مقتضیات المکان والزمان ، فیما أقر الخطاب السلفی تلک النصوص کما هی ، خارج حدود وإمکانیات المقاربة العلمیة والدراسة ، معتبراً العقل البشری فی وضع أضعف من أن یقوم بعملیة المقاربة أو التحلیل العلمی لها . وصل المعتزلة من هنا إلی نفی صفات الذات الإلهیة ، فأبطلوا أن تشارکه  أی هذه الصفات فی القدم . فهذا النفی أدی بهم إلی اعتبار القرآن مخلوقاً یعنی لیس قدیماً بل محدثاً . کانت السلطة العباسیة من جهة أخری تبحث عن خطاب ذات ملامح خاصة بها وذلک بإلغائها للخطاب الذی اعتمده الأمویون فی تبریر سلطتهم المطلقة من خلال مفاهیم الإرجاء والجبریة . کانت المعتزلة تحاول فرض تغییر لخطاب السلطة الدینیة وبدعم من السلطة تمکنوا من ذلک بمختلف أشکال الإرهاب الفکری والقمع العقائدی مما أدت إلی المحنة التی سمیت بمحنة خلق القرآن . کان الرد الأبرز فی وجه هذه الرؤیة الإعتزالیة هو التمسک بالنص وظاهره ورفض إمکانیة العقل وقدرته فی تفسیر أو تأویل النص کما فعل أحمد بن حنبل . ثمة من یعتقد أن المحنة کانت فی الغالب محاولة من المأمون لفرض کامل سیطرته من جانب الخلافة فوق المؤسسة الدینیة . یری ‹‹ أحمد أمین ›› أن للمعتزلة فی هذا الأمر نوایا حسنة ومقصداً حمیداً ‹‹ فقد رأی المعتزلة من أول أمرهم ... أن عقائد الناس قد فسدت ویجب تصحیحها ››<!--[if !supportFootnotes]-->[14]<!--[endif]-->. رغم أن الرجل یؤید ما ذهب إلیه المعتزلة فی محاولتهم لتصحیح العقائد ویبرئهم من النوایا السیئة کالتآمر مع السلطة مثلاً لنیل المکاسب السیاسیة ، لکنه یخطئهم وکذلک الخلافة فی نقطتین ؛ الأولی هی إشراک العامة فی هذه المسألة والثانیة دخول الحکومة بسلطانها وسیوفها وسیاطها وجنودها وولاتها فی هذه المسألة<!--[if !supportFootnotes]-->[15]<!--[endif]-->.

هناک أیضاً من یقرأ المحنة علی أنها سیاسیة وأمنیة أکثر منها فکریة وما ذاک الجدل الفکری والأسئلة إلا ظاهر القضیة ویستدل علی ذلک قائلاً : ‹‹ .. لم تنته القضیة إذن بوفاة المأمون وذلک دلیل قاطع علی أن المسألة لم تکن مسألة قناعات فکریة دینیة أراد المأمون فرضها ، ولا قضیة التحریض الذی یقال إن المعتزلة مارسوه علی المأمون بعد أن استمالوه إلیهم لفرض مذهبهم الذی من جملة مسائله الفرعیة مسألة خلق القرآن کلا . إن القضیة کانت قضیة الدولة ککل وبعبارة عصرنا : قضیة أمن الدولة<!--[if !supportFootnotes]-->[16]<!--[endif]-->››. ویؤکد ‹‹الجابری›› أیضاً ‹‹ أن القضیة لها ظاهر ومخفی أو منطوق به ومسکوت عنه ، أما الظاهر فهو الأسئلة والأجوبة حول (خلق القرآن) وأما المخفی فهو (الشغب) علی الخلیفة ومحاولة الخروج علیه والثورة ضده وانتزاع السلطة منه .. تلک إذن حسبما یعتقده هذا المفکر هی الدوافع الحقیقیة الخفیة التی تثوی وراء ما قام به المأمون والمعتصم والواثق من امتحان الناس عامة ورجال الدولة والفقهاء خاصة <!--[if !supportFootnotes]-->[17]<!--[endif]-->.›› أما ‹‹العروی›› فیقول عن أسباب المحنة بأنها فی الحقیقة کانت تسعی الدولة أن توحد الناس فی ظل الخلافة علی أساس العقیدة ولما قد ظهر الخلاف وتعمق بین المعتزلة وأصحاب الحدیث ، تدخلت الدولة لفرض عقیدة تصبح رسمیة وموحدة ویؤکد بقوله : ‹‹ ... هؤلاء ‌‌(أی المعتزلة) حاولوا ، علی أساس العقل المجرد ، تأویل عقیدة إسلامیة من شأنها أن تستقطب وتوحد کل العناصر المتساکنة فی ظل الخلافة العباسیة . لکن سعیهم هذا خاب ربما بسبب ما سمی بالتعطیل ، أی الرد بالنفی ، لا بالإثبات علی کل تساؤل حول علاقات المخلوق بخالقه . لم تزد هذه الطریقة السلبیة التناقضات بین عناصر العقیدة إلا عمقاً وظهوراً .... لذا اضطرت الدولة أن تفرض عقیدة رسمیة وتکره الناس علی القول بها . ››<!--[if !supportFootnotes]-->[18]<!--[endif]-->.

مهما تکن الأسباب والدوافع فقد خلفت هذه الأزمة (المحنة) نتائج شبه کارثیة . لا أعنی طبعاً المعارک الفکریة والمناظرات العقائدیة أو المباحثات العلمیة والکلامیة بما هی اختلافات فی الرأی فقط ، فهذه فی الحقیقة ما تؤدی دائماً إلی الإزدهار والتطور وإلی نمو العقلانیة ، وإنما أقصد بقولی شبه کارثیة ، هی النعرات الجاهلیة حیناً والأطماع السیاسیة أحیاناً أخری التی تختفی وراء القضایا الدینیة أو تتواری الفلسفة ، وکذلک الممارسات اللاأخلاقیة  التی أرهبت الخلق وأضعفت الدین وأساءت إلی المسلمین کافة . فلیس غرواً إذا ما أخبرنا التاریخ عن بعض الذین أفزعتهم الخلافات وأوحشتهم النزاعات حتی خرجوا عن دینهم وارتدوا علی أعقابهم أو کادوا . یقول ‹‹الجاحظ›› : ‹‹ قال المأمون رداً علی المرتد الذی قال للمأمون ؛ أوحشنی کثرة ما رأیت من الإختلاف فیکم : قال : لنا إختلافان .... و إلی آخره ››<!--[if !supportFootnotes]-->[19]<!--[endif]--> فیرجع هذا المرتد سبب ارتداده ویبرر ذلک للخلیفة إلی ما رآه من کثرة الإختلاف بین المسلمین . ومن النتائج الکارثیة أیضاً بل الأکثر سوءاً وأشد فداحة ، هی التی أدت إلی الإضطراب فی المفاهیم الدینیة وزعزعة أسس العقیدة ومبادئها ، تلک التی جاءت بها النفوس الضعیفة وابتدعتها الأهواء بدافع المصلحة الشخصیة أو التعصبات العمیاء وهی الإنتحال والتحریف والوضع فی الأحادیث والروایات . ‹‹ وتعد الخلافات الکلامیة والفقهیة والصراع بین مدرسة الرأی ومدرسة الحدیث من أهم العوامل الدینیة التی دفعت إلی الوضع فی الحدیث ››<!--[if !supportFootnotes]-->[20]<!--[endif]--> .  

 

أحمد بن تیمیة (661 728) :

ولد ابن تیمیة یوم الإثنین العاشر من ربیع الأول سنة 661 للهجرة وتوفی فی لیلة الإثنین الموافق للعشرین من شهر ذی القعدة من عام 728 للهجرة . هو تقی الدین أبوالعباس أحمد بن عبدالحلیم بن عبدالسلام بن عبدالله بن أبی القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علی بن عبدالله بن تیمیة . نشأ ابن تیمیة فی بیت علم وأدب فی حران ثم فی دمشق فراراً من التتار إذ کان حینذاک ابن ست سنوات ثم إلی مصر وظل هناک حتی عام 712 للهجرة ثم رجع إلی دمشق حتی توفی فیها<!--[if !supportFootnotes]-->[21]<!--[endif]-->. کان ینسب ابن تیمیة بالحرانی أی ینسب إلی بلد دون القبیلة مما یومئ إلی أنه لیس بعربی ، غیر أن صاحب کتاب تاریخ المذاهب یذکر أن الأستاذ ‹‹ بهجت البیطار ›› أثبت أنه عربی نمیری<!--[if !supportFootnotes]-->[22]<!--[endif]-->.

عاش ابن تیمیة بین ممارسة العلم والتعلیم والجهاد ، فقد اتجه أحمد بن تیمیة منذ نعومة أظفاره إلی العلم کما کان ذلک مرسوماً فی أسرته إلا أنه ما انقطع عنه طول حیاته . فبدأ بالقرآن وثم الحدیث ومع الحدیث توجه إلی الفقه الحنبلی إذ کان فقه الحدیث هو مذهب أسرة ابن تیمیة . فلما أکمل دراساته فی الفقه والحدیث والعقائد وعلوم العربیة واستوعبها ، حل محل أبیه وتولی حلقة درسه وهو کما یقال فی الحادیة والعشرین من عمره . فقد تلقی ابن تیمیة طریقة الحنابلة الذین ناوؤا المذهب الأشعری ولذلک کما یؤکد أبوزهرة کان له نضالاً ومعارک فی هذا السبیل ونزلت به المحن<!--[if !supportFootnotes]-->[23]<!--[endif]-->. کان للعصر الذی عاش فیه ابن تیمیة أثر واضح فی اتجاهاته العلمیة

والعملیة وقد حارب الصوفیة المستفحلة فی زمانه والمتفشیة فی مجتمعه کما حارب الباطنیة والبدع والخرافات وکذلک شارک فی معارک ضد التتار والغزاة وجرب السجن والنفی وشتی أشکال الضغوط حتی توفی إثر المرض الذی أنهکه . کان لإبن تیمیة تلامیذ کبار ، أشهرهم ؛ ابن القیم الجوزیة وابن کثیر الحافظ الدمشقی وابن عبدالهادی بن قدامة المقدس الحنبلی والحافظ الذهبی . ألف ابن تیمیة الکثیر من الکتب والمؤلفات والرسالات وقد نشر معظمها تحت عناوین مجموعة الرسائل الکبری ومجموع فتاوی شیخ الإسلام ابن تیمیة منها ؛ إبطال وحدة الوجود والرد علی القائلین بها ، الإحتجاج بالقدر ، الإختبارات العلمیة ، أربعون حدیثاً ، الأمر بالمعروف والنهی عن المنکر ، تلبیس الجهمیة فی تأسیس بدعهم الکلامیة ، الرد علی المنطقیین (أو نقض المنطق) ، الرسالة البغدادیة ، الرسالة الحمویة الکبری ، رفع الملام عن أئمة الأعلام ، السیاسة الشرعیة .<!--[if !supportFootnotes]-->[24]<!--[endif]-->

<!--[if !vml]--><!--[endif]-->کان ابن تیمیة یعتقد أن ما یجری وما یسمی بالإصلاحات فی عقائد أهل الحدیث هو خروج عن السنة فإذن لابد من العمل والجهاد من أجل العودة إلی سیرة السلف الصالح ، فأنکر بقوة التأویلات للنصوص المقدسة (القرآن الأحادیث) وهذا الإنکار والتحریم لا شک قد جمدا الفقه بعمومه وعطلا حرکته أو إمکانیة تفاعله مع العصر ومواکبته لا بل أدیا به إلی التقهقر والتراجع ذلک أن التأویل کما یقال اجتهاد یعتمد علی المقاصد الکلیة للشریعة ، فتعطیل الإجتهاد هو ما یؤدی إلی التکرار والإجترار . کان لإبن تیمیة رغم الضغوط والمعاناة التی واجهها أتباعاً غیر قلیلین وقد لقب عندهم بشیخ الإسلام وذلک لإظهاره عقائد جدیدة لم تکن عند الحنابلة أنفسهم . ویبدو أن هذه العقائد والآراء ‹‹ هی ما بعثت إلی التفکیر فیها أحوال عصره ››<!--[if !supportFootnotes]-->[25]<!--[endif]-->. فأحوال العصر والواقع الحاضر وظروف المجتمع وطبیعة البیئة لابد أن تترک أثراً مهما کان شکل هذا الأثر ونوعیته سلباً أو إیجاباً ، عمقاً أو انتشاراً وکما یقال أیضاً ؛ ‹‹ لا وجود لنص فقهی لا یعکس الواقع بطریقة أو أخری ›› . ومن هنا یمکن الإقرار کذلک بتأثیر الواقع المعاش علی اختلاف الفقهاء وتباین آرائهم رغم حتی وحدة المرجعیات بینهم . ‹‹ .. تباین آراء هؤلاء الفقهاء ذوی المرجعیة النظریة الواحدة ، نابع من تباین ظروف البلاد ومتطلباتها الأمنیة والسیاسیة والعلاقات بین مختلف فئاتها الإجتماعیة ›› <!--[if !supportFootnotes]-->[26]<!--[endif]-->.

إذن تجدد ظهور السلفیة فی القرن السابع الهجری مع ابن تیمیة وقد شدد فی الدعوة إلیها وعلی إحیائها متطرفاً فی کثیر من آرائه وفتاواه . کان ابن تیمیة باعتباره متکلماً وفقهیاً حنبلیاً یعارض التأویل وحریة التفکیر حول النصوص الدینیة وینهی عن التفلسف فی الدین والعقیدة واستخدام المنطق والإستدلال لمعرفة الأحکام . کان یعتمد فی آرائه علی ظاهر النص المقدس (القرآن الحدیث) مما شجع علی انتشار السطحیة والتشدد والتطرف فی المعرفة الدینیة .

 

محمد بن عبدالوهاب (1115 1206) :

هو محمد بن عبدالوهاب بن سلیمان بن علی بن محمد بن أحمد بن برید بن مشرف التمیمی ، مؤسس مذهب أو رؤیة جدیدة فی المذهب الحنبلی والتی اشتهرت فیما بعد بالوهابیة .

ولد ابن عبدالوهاب سنة 1115 للهجرة فی بلدة العینیة فی إقلیم نجد ، کان عبدالوهاب أبو محمد من علماء المدینة وقضاتها ، تعلم محمد بن عبدالوهاب علی أبیه فی مسقط رأسه العلوم العربیة والفقه الحنبلی ، ثم توجه بعد بلوغه الحلم إلی الحج وأخذ هناک عن بعض علماء الحرم النبوی الشریف ثم إلی المدینة وأقام فیها فترة من الزمن طالباً للعلوم الدینیة لدی الشیخ عبدالله النجدی والشیخ محمد حیاة السندی . ثم رحل إلی العراق لطلب العلم والمعرفة فنزل البصرة ثم بغداد وبدأ بإظهار بعض آرائه هناک وکشف عما یداخله من عقائد وأفکار مما جعل علماء تلک الدیار تتوجس منه ومن انتشار أفکاره خیفة وقلقاً . فتعرض للضغوط حتی غادرها أو طرد منها متوجهاً إلی بعض المدن الإیرانیة مثل همدان وأصفهان ولفترة قلیلة إلی قم ، ثم عاد إلی الأحساء عن طریق البصرة ومنها إلی بلدته . جاهر بعد وفاة أبیه بأفکاره ومذهبه داعیاً إلیها علناً حیث أثار بعض المخاوف لدی الناس فی منطقته عامة مما أدت إلی إخراجه من بلدته ، فتوجه إلی الدرعیة التی کان یحکمها ‹‹محمد بن سعود›› فعرض آرائه ودعوته علی هذا الحاکم وتم بینهما عقد اتفاقیة تکون بموجبها الدعوة إلی هذا المذهب علی ید محمد بن عبدالوهاب وتحت إشرافه وتکون السلطة بید محمد بن سعود أی تقاسما بینهما السلطتین الدینیة والدنیویة . فبدأ محمد بن عبدالوهاب فی ظل هذه الحکومة الداعمة له بدأ دعوته من جدید ولکن هذه المرة بقوة وإصرار شدیدین إذ صار یغزو القبائل والمدن المجاورة باسم الدعوة إلی الإصلاح والعودة إلی منهج السلف الصالح نابذاً حسب اعتقاده کل البدع والخرافة والأوهام من الدین المبین . فقد استغل بن عبدالوهاب فی دعوته هذه ، طبائع وأخلاق ونفسیات المجتمع البدوی فی الکثیر من الشؤون وخاصة فی الغزو والغنیمة مما أدی إلی ازدیاد عدد أتباعه .

یقول أبو زهرة فی کتابه تاریخ المذاهب : ‹‹ إن الوهابیة لم تقتصر علی الدعوة المجردة ، بل عمدت إلی حمل السیف لمحاربة المخالفین لهم باعتبار أنهم یحاربون البدع وهی منکر تجب محاربته ... ››<!--[if !supportFootnotes]-->[27]<!--[endif]-->.

فالحروب التی خاضها الوهابیون فی نجد وغیرها من المناطق فی الجزیرة العربیة باسم الإصلاح والأمر بالمعروف والنهی عن المنکر ، قد أدت دونما ریب إلی اتساع رقعة نفوذهم وسیطرتهم کما جلبت لهم الأموال والعدة والعدد أیضاً ، حیث مکنهم ذلک من الإستمرار وحتی تحدی الدولة العثمانیة خارج الجزیرة العربیة .   

أما عن آراء الوهابیة وعقائدهم وفقههم ، لابد من التأکید علی أن الوهابیة قد جاءت إحیاءً لمذهب ابن تیمیة القائم علی أساس الفقه الحنبلی . ‹‹ منذ القرن الثامن عشر للهجرة فصاعداً صار المذهب الحنبلی إلی الفتور وکان یبدو بأنه قد أقبل علی الإنقراض حتی أحیته الحرکة الوهابیة فی القرن الثانی عشر .››<!--[if !supportFootnotes]-->[28]<!--[endif]--> بید أن هذه الحرکة بدت فی أحکامها أکثر حدة وعنفاً وعصبیة ، حیث قامت بتکفیر عامة المسلمین ممن لیسوا علی مذهبهم وطریقتهم .

 

فقه البادیة (شریعة الصحراء):    

لم یکن هو فی الحقیقة فقهاً بالمعنی الحرفی للکلمة ولا بطبیعة الحال بالمعنی المصطلح أو ما یقدمه علماء الأصول والفقهاء من تعاریف ، ولیس إذن تصنیفاً جدیداً للفقه ، بل إنما نقصد به الأخلاق والسلوک الدینی لأهل البادیة أو قل فهماً بدویاً للتعالیم الدینیة . أما إذا کان لابد لنا من تقدیم تعریف لهذا المصطلح من أجل تقریب الصورة وتحدید المفهوم ، فنقول ؛ فقه البادیة هو ما تنتجه العقلیة البدویة نتیجة تلقیها للنصوص الدینیة متأثرة بالبیئة الجرداء والقاحلة ونمط الحیاة الخشنة والموحشة . ثمة من یسمی هذا السلوک وهذه الممارسة التطبیقیة للتعالیم الإسلامیة بالإسلام البدوی ، وعند تعریفه لهذا الإسلام یقول : ‹‹ هو إسلام طبعته البداوة مفهوماً ومجالاً وخصائص ، فأبرز کیفیة فی فهم الدین وممارسته أبدعها البدو ، ومیزت عقائدهم عن سائر أصناف الإسلام الأخری بممیزات عکست مظاهر ثقافتهم البدویة ››<!--[if !supportFootnotes]-->[29]<!--[endif]-->.

ولمن یرید أن یطلع علی هذه المظاهر والخصائص من الثقافة البدویة یمکنه مراجعة الدراسات العدیدة التی اختصت بالبداوة والبادیة<!--[if !supportFootnotes]-->[30]<!--[endif]-->. فقد أصبح من الضروری مراجعة الکثیر من القضایا والمسائل مراجعة نقدیة لغرض الکشف عن ما ضاع فی رکام التاریخ واختفی فی غبار الأحداث ، إذ لعل ما قد ترک کان أعظم مما قد بان حتی الآن وهل نستطیع القول أن هذا الذی قد بان وظهر فعلاً ، ظهر علی حقیقته ؟!! فمسألة الفکر البدوی أو الفقه الأعرابی أو الإعتراب حسب تعبیر الدکتور ‹‹العروی›› هو من جملة المسائل الهامة والدقیقیة التی تحتاج دونما ریب إلی الدراسة والبحث والمراجعة ، فقد اعتبر ‹‹العروی›› الإعتراب أکثر خطراً من الإستلاب الثقافی أو ما یسمی الإغتراب قائلاً : ‹‹ إن الإغتراب بمعنی التغریب أو التفرنج استلاب ، لکن الإعتراب استلاب أکبر ، والترکیز علی الخطر الأول ، ما هو إلا تغطیة لوضع ثقافی واجتماعی معین ››<!--[if !supportFootnotes]-->[31]<!--[endif]-->.

من خصائص البداوة البارزة هی العصبیة بمعناها الضیق وعدم الإستقرار والعمران بسبب حالة الترحال والتنقل الدائم بحثاً عن الماء والکلأ والإعتماد علی الغزو کمصدر للعیش وکذلک خشونة الأخلاق وحدة الطبع ما یجعل التعامل والتفاهم مع أهل البادیة من الصعوبة بمکان . وقد ذکر القرآن : ‹‹ الأعراب أشد کفراً ونفاقاً وأجدر أن لا یعلموا حدود ما أنزل الله علی رسوله ››<!--[if !supportFootnotes]-->[32]<!--[endif]--> . أو ‹‹ قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولکن قولوا أسلمنا ولما یدخل الإیمان فی قلوبکم .. ››<!--[if !supportFootnotes]-->[33]<!--[endif]--> . والأعراب هم عرب البادیة أی البدو ویجدر بالذکر أن هذه الخصائص یشترک بها أهل البوادی جمیعاً ولا تختص بجنس أو عنصر معین ، بمعنی آخر ؛ إذا کان هناک بدواًً للعرب ( وتسمی الأعراب) فهناک أیضاً بداوة للأتراک وبداوة للفرس والقوقاز والصین و ... ‹‹ ولابد من التنبیه والتأکید هنا أن القرآن الکریم بإطلاقه هذه الأحکام علی الحالة الأعرابیة کان یحکم علیها کنمط معیشی ینطبق علی الأعراب وسواهم من الجماعات الرعویة فی جمیع الأمم وإنه حکم ینطبق علیهم ما داموا فی الحالة فقط ، وأن المسألة لا علاقة لها من قریب أو بعید بعربیة الأعراب ››<!--[if !supportFootnotes]-->[34]<!--[endif]-->.

فقد کان بین الدعوة الإسلامیة والبداوة صراع طویل ومریر ، عانا منه الرسول (ص) أی معاناة . تروی فی هذا المجال روایات کثیرة ومواقف عدیدة تندد بالأعراب وسلوکهم مما جعل التعرب کالإرتداد وکان المسلمون فی عهد الرسول یستعیذون بالله من التعرب <!--[if !supportFootnotes]-->[35]<!--[endif]-->. یذکر الباحث والمفکر الإسلامی ‹‹محمد جابر الأنصاری›› مستنداً بروایة جاءت فی صحیح البخاری من ‹‹ أن الحجاج قال لسلمة بن الأکوع بعد أن بلغه أنه خرج إلی سکنی البادیة : ارتددت علی عقبیک ؟ وتعربت ؟! فقال له : لا ولکن رسول الله أذن لی فی البدو›،› . یقول الأنصاری بعد استشهاده واستناده بهذه الروایة : ‹‹ نلاحظ هنا فی تعبیر الحجاج أن التعرب ، أی عودة العربی إلی الحالة الأعرابیة بالإقامة فی البادیة بمثابة ارتداد الإنسان علی عقبیه ››<!--[if !supportFootnotes]-->[36]<!--[endif]-->. ثم یتسائل : ‹‹ فلماذا أصبح هذا الإنتقال المکانی إذن منهیاً عنه وفی حکم المحظور والمکروه إلی درجة إدخاله فی دائرة الکبائر والردة ؟ ›› ویجیب بنفسه قائلاً : ‹‹ إن هذا المؤشر فی واقع الأمر ما هو إلا عنوان لموقف عمیق للإسلام تجاه البداوة من حیث هی سلوک وقیم ونمط معیشی خاص تتولد منه حالة ذهنیة وأخلاقیة معینة تصل إلی حد التناقض والتضاد مع التعالیم الإسلامیة ومجمل الحیاة الإسلامیة التی تتخذ بدورها صبغة حضریة مدینیة (نسبة إلی المدینة )››<!--[if !supportFootnotes]-->[37]<!--[endif]-->.

إذن قد اعتنق البدوی الإسلام واستجاب لأوامر هذا الدین ونواهیه وأخذ بتعالیمه ولکن بعقلیته البدویة القاصرة عن إدراک المغزی لهذا الدین وصار ما یفقهه من أمر الدین والشریعة هو ما یتلقاه بهذه العقلیة فأصبح یحور فیه ویلغی ویضیف بحسب ما یفهمه وقد یؤدی به منهج تفکیره أحیاناً إلی حد قلب المعانی ونقض الغرض غیر أنه یکسی فی الحقیقة تقالیده وطباعه القدسیة باسم الدین والإسلام وتصبح إذن أحکام الدین ما هی إلا نزوات هؤلاء البدویین ، حتی لکأن الإسلام عندهم هو غیر ذلک الذی جاء به نبی الرحمة (ص) رسالة أخلاقیة عالمیة وشریعة سمحاء ودیناً یدعو إلی العقلانیة ، وکأن الفقه عندهم هو التقلید الأعمی للأعراف الموروثة ولهذا قد أطلق علی جمیع ما یمارسونه ویعتقدون به فی المجال الدینی مسامحة عناوین تتناسب وهذا النمط من التفکیر والإعتقاد والممارسة ، نحو ؛ فقه البادیة أو شریعة الصحراء أو الإسلام البدوی و... فالمسلم البدوی یأخذ فی الأغلب من النصوص الدینیة ما یلائم تصوراته المألوفة ویحاول تطبیقها ‹‹ وهذا ما یجعل ظاهرة الإسلام البدوی فی محیطها الإجتماعی رهینة التقالید الدینیة والمشاعر الوجدانیة المتوارثة ، أکثر مما هی تعبیر عن انتماء لتعالیم نصیة أو مذهبیة أو فکریة ››<!--[if !supportFootnotes]-->[38]<!--[endif]-->. وهذا یبدو معقولاً حیث أن الخلفیات الذهنیة والرواسب الفکریة لا تنمحی بسرعة فحسب بل حتی تقاوم بقوة وتؤثر کما تتأثر فی أنماط التلقی . علی هذا الأساس إذا ما تلقی الترکی مثلاً وأخذ التعالیم الإسلامیة بعقلیته وتراثه الفکری ومخیاله المجتمعی الترکی ، فإن ما یتشکل عنده ویتکون فی وعیه من عقیدة دینیة ، هو فی الحقیقة ما یمکن أن نطلق علیه الإسلام الترکی ، وکذلک بالنسبة للفارسی والصینی و... هذا ما أشار إلیه أیضاً الدکتور ‹‹عبدالمجید الشرفی›› بشکل آخر مؤکداً بتشبیه جمیل حیث یقول : ‹‹ من الطبیعی أن الآراء الموروثة والقیم والأخلاق والمصالح لا تضمحل بمجرد ظهور الرسالة النبویة. إنها فی الغالب تنحنی انحناء القصبة عند هبوب الریح ولا تنکسر أو تموت ، فهی تنتظر مرور العاصفة لتنتصب قائمة من جدید وتبرز إلی السطح فی ثوب غیر ثوبها القدیم .››<!--[if !supportFootnotes]-->[39]<!--[endif]--> .

أما إذا ما أمعنا النظر فی المذهب السلفی الوهابی وفی ما قام به محمد بن عبدالوهاب ، لوجدنا أن مسار تأسیس مذهبه فی قلب الصحراء وانتشاره بین القبائل ، ما کان لینجح ویتحقق دون إقحامه للعقول البدویة والعزف علی مشاعرهم وتلائم أفکاره وآرائه وانسجامها مع البیئة والأعراف والتقالید البدویة وکذلک إهتمامه بالنقاط الحساسة والمحفزة لدی هؤلاء البدو مثل الغزو والغنیمة . فقد کان للبدو فی حروبها التی تشنها فی نجد وخارجها تحت رایة الوهابیة دافعاً قویاً وهو أن یغنموا ویمتلکوا کل ما تقع علیه أیدیهم خلال غاراتهم بما حلل لهم ذلک إمامهم ابن عبدالوهاب إذ أن من خالفهم أو لم یوافقهم الرأی یعتبر عندهم من عداد الکفار فیجوز قتله إذن واغتنام ما کان یملک . ( وهذا المنطق ما تتفق به الوهابیة مع الرئیس الأمریکی السابق بوش وهو یمکن اعتباره من البدو الأمریکان ) بهذه وغیرها من الأسباب تمکنت الوهابیة من فرض سلطانها الدینی والسیاسی فی الجزیرة العربیة . فالدعوة السلفیة الوهابیة إذن نجحت باعتمادها علی العنصر البدوی الذی یفتقر إلی وعی دینی عمیق وثقافة إسلامیة واسعة وانتشرت واستمرت بفضل ثقافة البداوة وخصائصها من أمیة وسطحیة وتقلید متوارث وخرافة وضیق الرؤیة وعصبیة مقیتة حتی یومنا هذا فی المجتمعات ذات الطابع القبیلی البدائی . ویؤکد ‹‹ أحمد أمین ›› فی حدیثه عن الأعراب وثقافتهم الدینیة ومدی معرفتهم بشرع الله وحدوده قائلاً : ‹‹ فکثیر من هؤلاء الأعراب کانت معرفتهم بالإسلام سطحیة ، کانوا یعکفون علی الشراب ، ویتبعون تقالید قبائلهم الجاهلیة ، ویعقدون ألویتهم ویحاربون القبائل المعادیة لهم فی الإسلام کما کانوا یفعلون قبله ››<!--[if !supportFootnotes]-->[40]<!--[endif]--> . ولهذا نری إن نسبة تعاطف الناس مع هذا التیار فی المجتمعات العربیة والإسلامیة ومع حرکاته الجهادیة یرتبط فی حقیقته ، بشکل أو بآخر ، بنسبة الوعی الثقافی فی تلک المجتمعات ونعلم أن الغالبیة فی مثل هذه المجتمعات تشکلها الأمیون والبسطاء الذین یتعبهم التفکیر والتعقل ویضیقون ضرعاً من الأسئلة المحرجة والتحلیل والتقصی والتأمل .

هناک أمثلة کثیرة ونماذج مختلفة تزخر بها کتب التراث ، تشیر إلی سلوکیات البدوی ماضیاً وحاضراً وصارت تتناقل بعضها کطرائف ونکت . الإشارة إلی بعضها هنا والتذکیر بها لا یخلو من فائدة . فإلیک فی ما یلی بعض المرویات :

‹‹ ولی أعرابی ‹ تبالة › فصعد المنبر فما حمد الله وأثنی علیه حتی قال : إن الأمیر أعزنا الله وإیاه ولانی بلادکم هذه ، وإنی والله ما أعرف من الحق موضع سوطی ، ولن أوتی بظالم ولا مظلوم إلا أوجعتهما ضرباً . فکانوا یتعاملون بالحق بینهم ولا یرتفعون إلیه .››<!--[if !supportFootnotes]-->[41]<!--[endif]-->

أو ما یقال عن ‹‹ أعرابی وقف فی بعض المواسم فقال : اللهم إن لک علی حقوقاً فتصدق بها علی ، وللناس تبعات قبلی فتحملها عنی ، وقد أوجبت لکل ضیف قری ، وأنا ضیفک فاجعل قرای فی هذه اللیلة الجنة .››<!--[if !supportFootnotes]-->[42]<!--[endif]--> .

أو ‹‹ قال عیسی بن عمر : ولی أعرابی البحرین ، فجمع یهودها فقال : ما تقولون فی عیسی بن مریم ؟ قالوا : نحن قتلناه وصلبناه ؛ قال : فوالله لا تخرجون حتی تؤدوا دیته ؛ فأخذها منهم .››<!--[if !supportFootnotes]-->[43]<!--[endif]--> وهؤلاء الأعراب کانوا فی أکبر الظن أو من المفروض أن یکونوا ممن لهم بعض الفضل والدرایة إذ یتم اختیارهم لولایة الأمصار !! فإذا کان هؤلاء بهذه العقلیة و هذا المستوی من الفهم الدینی فماذا عسی أن یقال عن سائر الأعراب غیر عبارة ‹‹حدث ولا حرج›› . وأما بالنسبة لحاضرنا الراهن ، فتجد أیضاً البدو وما یقومون به من تصرفات وما یصدرون من أحکام لا تقل سخفاً و عنجهیة من الماضی البعید بل تفوقها أحیاناً . علی سبیل المثال ما یقوم به فقهاؤهم فی مجال التحریم والتحلیل علی مقاسات عقلهم البدوی کتحریم حمار إبلیس ( أی الدراجة الهوائیة) أو تحریم تعلم اللغة الإنجلیزیة ، أو فی تحریم التصفیق ، أو تحریم الإتجار والتنقیب عن الآثار و... مما یدل علی أن الحاضر لم یغیر فیهم سوی الشکل ، والواقع المعاش لم یؤثر فیهم إلا فی بعض المصادیق . فإذا کانت الثقافة البدویة هی المناخ المناسب والأرض الخصبة لنشر الفکر السلفی عموماً ، فیمکننا التأکید علی أن مشاریعها لا تقل خطورة علی الأمة من الإستلاب أو الغزو الغربی للثقافة الإسلامیة .   

 

التیار السلفی و المنهجیة اللاتاریخیة :

لابد أولاً من الإشارة إلی مفهوم التاریخیة حتی یتیسر لنا إیضاح نقیضه المفهومی وهو مصطلح اللاتاریخیة . یعلق ‹‹هاشم صالح›› فی هامش الصفحة 23 من ترجمته لکتاب ‹‹تاریخیة الفکر العربی الإسلامی›› للمفکر الإسلامی ‹‹محمد أرکون›› فی بیان مفهوم مصطلح ‹‹التاریخیة›› قائلاً : ‹‹ یعنی مفهوم التاریخیة ، دراسة التغییر والتطور الذی یصیب البنی والمؤسسات والمفاهیم من خلال مرور الأزمان وتعاقب السنوات ››<!--[if !supportFootnotes]-->[44]<!--[endif]-->. فاللاتاریخیة تعنی إذن إهمال وتجاهل هذا التغییر والتطور . بغض النظر عن الإختلاف بین مصطلحی التاریخیة (Historicity) والتاریخانیة (Historicism) والذی یقول فیه بعض المفکرین ؛ ‹‹ التاریخیة (هیستوریسم) شئ والتاریخانیة (هیستوریسیم) شئ آخر ، الأولی طریقة للبحث فی حین الثانیة تقرر حتمیة التطور ››<!--[if !supportFootnotes]-->[45]<!--[endif]-->. وکأن التاریخانیة بهذا المعنی علم أو فرضیة والتاریخیة منهج لتحقیق هذه الفرضیة ، وإذا کانت التاریخانیة تعنی تطور کل شئ مع التاریخ ، والتاریخیة تعنی اعتبار الأحداث والوقائع والظواهر فی سیاقها التاریخی فی جمیع البحوث والدراسات والتفاسیر والتحالیل العلمیة ، فلابد من خلال المراوحة بین المصطلحین أو القرائتین أن نقوم بدراسة علمیة للظواهر والنصوص التاریخیة . وقد یرجح مفکر أو باحث أن یستخدم مصطلحاً دون الآخر لدراسته کما حصل عند المفکرین العرب البارزین ، إذ یرکز ‹‹العروی›› علی التاریخانیة فیما یرجح ‹‹أرکون›› استخدام التاریخیة . ‹‹ موقف التاریخانیة الأصلی هو أن الماضی کله حاضر ، قابل للتمثل والإستحضار ، ... واللاتاریخانیة أیضاً موقف من الزمان داخل الزمان ، لکن فی تجاه مغایر . تبحث عن الأصل الأصیل الذی ینفی ویتجاوز مفهوم التاریخ . ››<!--[if !supportFootnotes]-->[46]<!--[endif]--> فمهما یکن الأمر یمکننا أن نعتبر الفکر السلفی نظراً لما یطرح من آراء وتنظیرات ومشاریع بأنه یمثل النقیض للفکر التاریخی . إذن اللاتاریخیة هی التی تحکم الفکر السلفی . بمعنی آخر إن عدم إدراک الواقع أو اللاواقعیة تعنی اللاعقلانیة وهکذا تؤدی اللاتاریخیة إلی اللاعقلانیة. یتصور صاحب العقلیة السلفیة ، إن المجتمع بمکوناته وعناصره وکذلک النخب الإسلامیة بخلفیاتها وتطلعاتها فی القرون الأولی للتاریخ الإسلامی هو بمثابة المجتمع المعاصر بأهله ونخبه دون أیة فوارق أو دون أی تطور أو تغییر ولهذا یکون من المنطقی والمعقول أن یعیش ویمارس کما لو کان هو فی تلک القرون والحقب الإسلامیة . فالسلفیة تجتهد من أجل تحقیق المثال الدینی بمعاییرها الثابتة لدیها کما کانت أیام الرسول والصحابة وبالمجموع السلف الصالح ، ولکن لیس عن طریق استخدام العقل والعقلانیة والتحلیل وإبداء الرأی وإنما یتلخص ذلک فی الأخذ بالسنة عن طریق الأخبار والروایات والأحادیث . فالعقلانیة عند السلفیین هی العمل وفق ما قال وعمل وأقر به ‹‹السلف›› . ما یقوم به السلفی ؛ هو التقلید التام لکل أقوال وأفعال السلف بعد إضفاء القدسیة علیها طبعاً وبذلک یضیق فضاء الفقه لدیه ویتجمد فی وضعیة ثابتة ویکون بذلک مناهضاً لکل محاولة تغییر وتأویل بما یوافق الحاضر . التیار السلفی هو تیار الثقافة الإختزالیة والتی تؤدی هذه الثقافة بالضرورة إلی رؤیة ضیقة تعجز عن إدراک العالم الحدیث بتنوعه واختلافه وتعددیته إن شعار العودة إلی السلف هو تعبیر عن إرادة تحاول القیام بعملیة إختزالیة. مهما تحدد مفهوم السلف بصفة ‹‹الصالح›› إلا أن هذه الصفة هی نفسها لم یتم تحدیدها وفقاً لمعاییر وشروط متفق علیها ، فیبقی مفهوماً فضفاضاً ، فلابد من أجل اقتفاء أثر السلف أن تکون انتقائیاً . من جانب آخر فإن رفض  التأویل من قبل السلفیین بحجة أن الأصل هو القرآن والقرآن واضح وصریح لا یحتاج إلی تأویل ، ما هو إلا دفاع عن تلقی خاص فی مرحلة تاریخیة معینة وموقف محدد . إذن الثقافة السلفیة هی ثقافة الإختزال واللاتاریخیة . إن المنهج السلفی المناهض للعقل والعقلانیة هو الذی یأخذ بظاهر النص ویجهل أو یتجاهل الواقع الإجتماعی والظروف المحیطة والأسباب المؤدیة للأحداث ، ولهذا فهو منهج یقفز فوق التاریخ بمثالیة تستعصی علی التطبیق فی کثیر من الأحیان ، هذه هی اللاتاریخیة السلفیة . ‹‹ الفهم اللاتاریخی هو حجر الزاویة فی المنهج التراثی وخاصة فی التیار السلفی ››<!--[if !supportFootnotes]-->[47]<!--[endif]-->. یری الفکر الدینی عموماً وکما هو معروف بالشعار الدینی ، إن سعادة الإنسان وکماله هما الغایة المنشودة لخلقه ، وشریعة الأدیان هی الطریق القویم لبلوغ هذه الغایة وهی الکفیلة بذلک ، إذن لابد من تطبیق الشریعة . وهذه العملیة تختلف من عقیدة إلی أخری ومن دین إلی آخر ومن فرقة ومذهب ومنهج وفکر إلی آخر . الفکر الإسلامی السلفی یری تحقیق الغایة المنشودة لأی مسلم ، مرهون بتطبیق الشریعة حرفیاً ، معتمداً ظاهر النصوص الدینیة ومتجاهلاً التغییرات والتطورات التاریخیة التی طرأت علی مدی قرون وأثرت شکلاً ومضموناً فی البنی والمؤسسات وحتی المفاهیم ، وبهذا النمط من التفکیر یقفز السلفی فوق التاریخ ویتجاوز کل الظروف الزمکانیة .

قد عرض هذا التفکیر ، السلفیین أمام تحدیات کبری وإشکالیات متعددة وتساؤلات ملحة فی ظل الحداثة التی تغلغلت إلی المجتمعات الإسلامیة بل احتلت مؤسساتها السیاسیة والإقتصادیة والإجتماعیة بالرغم منها وشغلت بإنجازاتها الهائلة حیزاً کبیراً من حیاة هذه المجتمعات . لهذا کان لابد للتیار السلفی أن یجد حلاً لهذه المعضلة المحرجة ومخرجاً لهذا المأزق المربک . فلجأ بعض أصحابه٭ إلی التعدیل فی بعض الأفکار والتصورات وحتی الأحکام الصارمة ، نظراً للإخفاقات التی منی بها هذا التیار علی صعید تحقیق الأهداف السیاسیة والإجتماعیة علی أرض الواقع ، وراح یبحث عن صیغة أو استراتیجیة أکثر تلائماً وانسجاماً مع الواقع والحاضر وهذا بالتحدید ما دفعه إلی المنهج التوفیقی أو التلفیقی کما یحلو للبعض تسمیته ، التوفیق بین الماضی والحاضر أو الإصالة والمعاصرة أو التراث والحداثة . ‹‹ بعد أن تتابع إخفاق السلفیة فی رد التحدی الخارجی بخلاف القانون التاریخی القدیم جاءت حرکة الإصلاح التوفیقی ( الأفغانی 1839-1997 ، محمد عبده 1849-1905 ، الکواکبی 1854-1902) لتمثل الأسلوب الآخر فی التقلید الإسلامی لمجابهة التحدی .››<!--[if !supportFootnotes]-->[48]<!--[endif]--> إذن رغم المساعی الجادة التی بذلوها هؤلاء المصلحون لمواکبة العصر وإعطاء صورة معاصرة ومتحضرة للإسلام وهی فی الواقع لم تکن دون تأثیر بل کانت حرکة تقدمیة من جوانب عدة ، إلا أن هذه المساعی کانت تمثل کما یقول ‹‹الأنصاری›› ‹‹الأسلوب الآخر فی التقلید الإسلامی ›› لیس إلا . فإن الحلول التی یقدمها هذا التیار هی أیضاً حلول تقلیدیة وسرعان ما تحتاج إلی تطویر أو تغییر وذلک بمجرد أن یتم الکشف عن معلومة أو إبداع جهاز أو طریقة أو منهج فی مجال العلم والمعرفة والتکنولوجیا أو تبدو أحیاناً حلولاً متناقضة لمعالجة ما تواجه من تساؤلات مختلفة ، ولأنها أیضاً لا تستند إلی قاعدة نظریة صلبة علی حد تعبیر الدکتور ‹‹عبدالمجید الشرفی›› حیث یقول : ‹‹ أن هذا الموقف التوفیقی الذی کان یتسم ببعض الجرأة منذ قرن ، وإن مثل تقدماً لا ینکر بالنسبة إلی ما یدافع عنه الشیوخ المقلدون ، لیس من شأنه أن یحل المشکل حلاً جذریاً ، لأنه لا یستند إلی قاعدة نظریة صلبة ، فقل أنصاره وهمشه التیار الأصولی . ››<!--[if !supportFootnotes]-->[49]<!--[endif]-->.

إذن لهذا وغیره من الأسباب کقضیة فلسطین العالقة و العائقة والتی تشغل جانباً کبیراً من عقول وقلوب الشعوب العربیة والإسلامیة والتعنت الإسرائیلی وتدخل الدول الکبری وخاصة أمریکا فی شؤون البلدان الإسلامیة واتساع الهوة مابین النخب المثقفة للمجتمعات وجماهیرها ، عاد التیار السلفی الأصولی مرة أخری لیتحکم فی مصیر الأمة . أجل .. کل هذا قد أتاح الفرصة للتیار السلفی الأصولی المتطرف لیبرز مرة أخری فی ساحة الصراعات والنزاعات الأیدیولوجیة وفی جمیع مجالاتها ، ولیأخذ زمام المبادرة ، ولیرث بحق تلک السلفیة السالفة . تمکن هذا التیار بشقیه المتطرف الجهادی والمعارض من جهة والمتطرف المتصالح مع الأنظمة من جهة ثانیة أن یکون أکثر حضوراً وتأثیراً بین أوساط الجماهیر بخطابه الأصولی اللاتاریخی وهو الرجوع إلی السلف وإعادة الماضی بحذافیره (بغض النظر عن إمکانیة تحقیق ذلک أو عدمه). فهذا یفتی بالجهاد وحمل السلاح بوجه الطغاة والغزاة والکفرة أینما کانوا وحلوا وذاک یفتی بوجوب طاعة السلطان (الحاکم) مهما کان أو یکون ویکفر ویحرم ویحلل وفقاً لمذهبه الفکری الدوغمائی العقیم . المثال البارز والحاضر لهذا التیار هو المذهب الوهابی بشقیه ؛ ذاک الجهادی المسلح والخارج علی القانون والسلطة الحاکمة  بل المعتدی علی حقوق الإنسان وهذا الخاضع للنظام الحاکم والمؤید له . یمارس کل منهما النشاط فی ظل التخلف والإضطهاد واستفحال الأزمات السیاسیة والثقافیة والإقتصادیة باستراتیجیات مختلفة ولکن بمنهج تفکیری دوغمائی واحد کما ذکرنا ، المنهج الذی یجعل من مبدأ الجهاد الإسلامی فعلاً مقدساً وعملاً واجباً لتحقیق (الأهداف - أهدافهم) ؛ ذاک اختار جهاد السنان وهذا جهاد اللسان ، ذاک یفجر ویقتل ویدمر و هذا یکفر ویسفه ویلمع . ثمة من یمیز بین التیارین السلفیین التوفیقی والتقلیدی علی أنهما یتصلان أو ینفصلان عن بعضهما بنسبة ابتعادهم أو اقترابهم من المنطق التاریخی وبنسبة قبولهم أو رفضهم للمنهج التاریخی ، ویطلق علیهما تسمیات أخری کالسلفیة الجدیدة والحرکات الإسلامویة . فالسلفیة الجدیدة کما یقول ‹‹الشرفی›› تعی ضرورة تجاوز الحل التقلیدی ولا تنکر البعد التشریعی فی القرآن ، ولکنها تری أیضاً أن الأحکام والتشریعات الواردة فیه فی میدان المعاملات قابلة للتطویر متی تغیرت المعطیات التی أحاطت باقرارها.<!--[if !supportFootnotes]-->[50]<!--[endif]--> ‹‹ أما الحرکات الإسلامیة المعاصرة ، فهی تری أن لا سبیل إلی التسلیم بابتعاد النص عن الواقع ، وأنه ینبغی تغییر هذا الواقع والرجوع به إلی عهد السلف الصالح ، لا تطویع النص له ، حتی تعود هذه المواءمة . ومن أبرز ما یمیز موقفها طوباویته ولاتاریخیته ، وإن کان أکثر تماسکاً من حیث منطقه الداخلی . ولذا استقطب الشبان والفئات المسحوقة والقلقة ، ضحایا التحدیث المنقوص ، لکنه افتقر دوماً إلی منظرین اکفاء وشاع فی صفوفه الدعاة لا العلماء .››<!--[if !supportFootnotes]-->[51]<!--[endif]-->.

فالسلفیة رغم التحدیات التی واجهتها والمآزق التی تورطت فیها بقیت قابضة أو عالقة باللاتاریخیة فأنها جوهرة فکرتها وحجر الزاویة فی منهجها . وهذا بالتحدید ما یدفع مشاریعها فی نهایة المطاف إلی الإفلاس النظری والعملی . ورغم إنتاجها وتوارثها للحرکات والتنظیمات تارة والأحزاب والمؤسسات تارة أخری نتیجة التخلف الثقافی التی تعیشه المجتمعات الإسلامیة والعربیة کما ذکرنا ، لکنها وبسبب حالة إنقطاعها المعرفی والتاریخی بین الماضی والحاضر وکذلک عدم قدرتها علی تجاوز الإشکالیة التی تعیشها تواجه دائماً الفشل والهزیمة . الخطاب هو نفس الخطاب والمنهج التفکیری هو نفسه فتتکرر بطبیعة الحال الأخطاء والإخفاقات .

هذا ونقول ختاماً ؛ إن الإصالة لیست الإبتعاد عن ملامسة الواقع المعاصر والدین لیس رفضاً للتفاعل الإیجابی مع الحاضر ومعطیاته والإیمان ما کان ولم یکن یقاس بالتمشدق بالعبارات الفقهیة والأصولیة ولا بطول اللحی .

 

 

 

 

‹‹عبدالکریم الأهوازی››

 

 

 

 

 

 

 

<!--[if !supportFootnotes]-->

<!--[endif]-->

<!--[if !supportFootnotes]-->[1]<!--[endif]-->- محمد جابر الأنصاری ، صراع الأضداد ، ص 25 و 26 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[2]<!--[endif]-->- النص الدینی و التراث الإسلامی ، احمیدة النیفر ، ص 127 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[3]<!--[endif]-->- تاریخ المذاهب الإسلامیة – محمد أبوزهرة – ص 192 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[4]<!--[endif]--> - هادی العلوی ، فصول من تاریخ الإسلام السیاسی ، ص 438 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[5]<!--[endif]-->- تاریخ المذاهب الإسلامیة ، محمد أبوزهرة ، ص 468 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[6]<!--[endif]-->- المقدمة – ابن خلدون – ص 448 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[7]<!--[endif]-->- المقدمة ، ابن خلدون ، ص 446 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[8]<!--[endif]-->- تاریخ المذاهب الإسلامیة – محمد أبوزهرة – ص 473

<!--[if !supportFootnotes]-->[9]<!--[endif]-->- علوم الحدیث و مصطلحه ، صبحی الصالح ، ص 296 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[10]<!--[endif]-->- نفس المصدر ، ص 297 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[11]<!--[endif]-->- الصید الثمین فی رسائل ابن عثیمین ، ج 2 ، ص 159 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[12]<!--[endif]--> - الصید الثمین فی رسائل ابن عثیمین ، ج2 ، ص 161 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[13]<!--[endif]--> - السیوطی ، تاریخ الخلفاء ، ص 267 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[14]<!--[endif]-->- ضحی الإسلام ، ج 3 ، ص 136 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[15]<!--[endif]-->- نفس المصدر ، ص 140 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[16]<!--[endif]-->- المثقفون فی الحضارة العربیة ، ص 79 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[17]<!--[endif]-->- نفس المصدر ، ص 85 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[18]<!--[endif]--> - الأیدیولوجیة العربیة المعاصرة ، عبدالله العروی ، ص 193 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[19]<!--[endif]--> - الجاحظ ، البیان والتبیین ، ص 559 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[20]<!--[endif]--> - حمادی ذویب ، السنة بین الأصول والتاریخ ، ص 66 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[21]<!--[endif]-->- موقف الإمام ابن تیمیة من التصوف و الصوفیة ، أحمد بن محمد بنانی ، ص 22 و 24 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[22]<!--[endif]-->- تاریخ المذاهب الإسلامیة ، محمد أبوزهرة ،ص 583 و 584 .

24 –  نفس المصدر ، ص 588 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[24]<!--[endif]--> - موقف الإمام ابن تیمیة ،

26 – تاریخ المذاهب الإسلامیة ، محمد أبوزهرة ، ص 190 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[26]<!--[endif]--> - محمد المختار ولد السعد ،الفتاوی والتاریخ ، ص 93 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[27]<!--[endif]--> - تاریخ المذاهب الإسلامیة ، محمد أبو زهرة ، ص 212 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[28]<!--[endif]--> - دیباچه ای بر فقه اسلامی ، یوزف شاخت ، ترجمه : اسدالله نوروزی ، ص 94 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[29]<!--[endif]--> - الإسلام البدوی ، محسن التلیلی ، ص 9 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[30]<!--[endif]--> - علی سبیل المثال : (دراسة علم الإجتماع البدوی ، صالح الفوال ، القاهرة ، دار غریب) – (نحو تأسیس إناسة لدراسة المجتمع البدوی ، ترکی علی الربیعو ، مجلة الإجتهاد ، العدد 17 ، السنة 4 ) – (البدو و البداوة ، محیی الدین صابر و لویس کامل ملیکة ، منشورات المکتبة العصریة) - - (البدو و البادیة ، جبرائیل سلیمان جبور ، دار العلم للملایین) .

<!--[if !supportFootnotes]-->[31]<!--[endif]--> - عبدالله العروی ، العرب والفکر التاریخی ، ص 207 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[32]<!--[endif]--> - سورة التوبة ، الآیة 34 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[33]<!--[endif]--> -  سورة الحجرات ، الآیة 14 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[34]<!--[endif]--> - التأزم السیاسی عند العرب و سوسیولوجیا الإسلام ، محمد جابر الأنصاری ، ص 101 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[35]<!--[endif]--> - نفس المصدر ، ص 102 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[36]<!--[endif]--> - نفس المصدر ، ص 103 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[37]<!--[endif]--> - نفس المصدر ، ص 104 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[38]<!--[endif]--> - الإسلام البدوی ، محسن التلیلی ، ص 53 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[39]<!--[endif]--> - عبدالمجید الشرفی ، الإسلام بین الرسالة والتاریخ ، ص 46 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[40]<!--[endif]--> - آحمد أمین ، فجر الإسلام ، ص 82 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[41]<!--[endif]--> - عیون الأخبار ، ابن قتیبة الدینوری ، ح 1 ، ص 116 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[42]<!--[endif]--> - الجاحظ ، البیان و التبیین ، ج 2 ، ص 261 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[43]<!--[endif]--> - البیان و التبیین ، الجاحظ ، ص 116 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[44]<!--[endif]--> - تاریخیة الفکر العربی الإسلامی ، محمد أرکون ، ص 23 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[45]<!--[endif]--> - عبدالله العروی ، مفهوم التاریخ ، ج 2 ، ص 348 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[46]<!--[endif]--> - عبدالله العروی ، مفهوم التاریخ ، ص 398 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[47]<!--[endif]--> - أحمیدة النیفر ،النص الدینی و التراث الإسلامی ، ص 128 .

* أی مفکرو و قادة الحرکات الإسلامیة ذات توجهات إصلاحیة .

<!--[if !supportFootnotes]-->[48]<!--[endif]--> - محمد جابر الأنصاری ، صراع الأضداد ، ص 47 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[49]<!--[endif]--> - عبدالمجید الشرفی ، الإسلام بین الرسالة و التاریخ ، ص 57 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[50]<!--[endif]--> - عبدالمجید الشرفی ، الإسلام بین الرسالة والتاریخ ، ص 57 .

<!--[if !supportFootnotes]-->[51]<!--[endif]--> - نفس المصدر والصفحة .