اللغة الأم ؛ الظاهرة اللسانیة والقضیة الإنسانیة
ساعت ۱٠:٤٩ ‎ق.ظ روز ۱۳٩۱/۱/۱٩   کلمات کلیدی: اللغة الأم ،الثنائیة اللغویة ،التعدد اللغوی ،الظاهرة اللسانیة

... فبعد الطوفان کان فی الأرض کلها لغة واحدة وکلمات متماثلة ، بید أن الکبریاء قاد الناس إلی الرغبة فی مضارعة الرب وإلی بناء برج یصلهم بأسباب السماء ، ولکی ینزل بهم العقاب جزاءً لهم علی ادعائهم وجبروتهم والحیلولة دون بناء الجدار ، جاء قضاء الرب : فلننزل ولنبلبل لغتهم حتی لا یفهم بعضهم لغة بعض .... ولهذا سمیت بابل لأن الرب بلبل هناک لغة الناس جمیعاً ومن هناک شتتهم الرب علی وجه الأرض کلها . (الإصحاح 11 – سفر التکوین)  

ما جاء فی سفر التکوین أو نسبت إلیه من روایة اختلاف اللغات هی لیست إلا أسطورة ، تسمی « الأسطورة البابلیة » . إن نقمة الرب فی جعل اللغات مختلفة أو متبلبلة کما جاء فی هذا السفر معتقد أو تصور لم یعد الیوم مقبولاً أو معقولاً . لیس من منظور الدراسات اللغویة والألسنیة الحدیثة فحسب بل حتی قبل ذلک بقرون . إذ أن الإغریق قدیماً وفلاسفتها وکذلک المسلمین قد تقبلوا هذا الواقع المتنوع والمختلف للغات . فیمکننا القول بأن عامل التنوع والإختلاف من بین العوامل الهامة الأخری هو بالتحدید ما أدی إلی الإهتمام باللغة . فقد اعتبر المسلمون هذا الواقع آیة من آیات الله ومن نعمه علی الناس « ومن آیاته خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتکم .. » (الروم ، 23) . رغم هذا فهناک من سعی ویسعی إلی فرض لغة واحدة لا للوحدة والوئام – کما یروج لها - ولا إیماناً بالأسطورة البابلیة ، بل لأغراض سیاسیة و مآرب ایدیولوجیة تعسفیة ، لطمس الهویات المختلفة وتهمیش شعوبها . لم تعد فکرة توحید اللغات مطلباً مقبولاً الیوم کما کانت تبرره بعض الأنظمة فی الماضی . فقد توصل علماء اللغة والإجتماع الیوم إلی أن الإختلاف اللغوی لم یکن بأی حال من الأحوال مخلاً بالوحدة الوطنیة ، بل إن ما یضر الوحدة الوطنیة هو التخاصم والخلاف ولیس التنوع والإختلاف . تؤکد الکثیر من الدراسات علی أن تعدد اللغات واللهجات هو أکثر شمولاً وعمقاً مما یتصوره البعض والعوائق الإجتماعیة التی تقاوم التداخل والتماهی بین اللغات هی أکثر من العوائق الجغرافیة وهذا ما یضمن بقاء اللغات واستمرارها . وأما الحقیقة الثابتة الیوم هی أن اللغات واللهجات المختلفة لمجتمع ما تشکل جزءاً من الثروة الثقافیة لذلک المجتمع .

أما بعیداً عن عالم الأساطیر وعالم السیاسة کذلک ، نحاول ومن خلال هذه السطور أن نعرج ولو بإیجاز شدید علی علم اللغة باعتباره نتاج مخاضات فکریة وعقلیة کسائر العلوم البشریة مارسها الإنسان منذ قرون ، ومن ثم نلقی بعض الضوء علی مفهوم اللغة نفسها وعلی حقیقة هذه الظاهرة ونتناول من خلالها موضوع هذا المقال أی اللغة الأم .


 **********

 لابد من الإشارة إلی أن الدراسات والأبحاث اللغویة المعاصرة فقد تأرجحت کثیراً بین الطابع الفلسفی وبین الطابع الموضوعی الشکلی . ویبدو الجمع بین هذین الطابعین صار یقود أحیاناً إلی التناقض . المتأمل فی الدراسات الألسنیة المعاصرة ومدارسها یقف عند محاولات لتغییب النزعة الفلسفیة التجریدیة عن اللغة ولکن سرعان ما یکتشف أیضاً فی مسیرة التطور لهذه الدراسات ، الضرورة التی تدفع بعلماء اللغة المحدثین إلی الإهتمام بالجانب الفلسفی للغة ، فعادت الأبحاث الفلسفیة إلی حقل الدراسات الألسنیة لیتم التسلیم بمقتضی الشمول فی الدراسات اللغویة واللسانیات الحدیثة . وقد لا نجانب الصواب إذا أکدنا علی أن العرب قد تطرقوا - إن لم نقل تعمقوا - فی علم اللغة قدیماً إلی ما یشغل عقول أعلام اللسانیات الیوم . « فالعرب بحکم ممیزات حضارتهم وبحکم اندراج نصهم الدینی فی صلب هذه الممیزات قد دعوا إلی تفکر اللغة فی نظامها وقدسیتها ومراتب إعجازها فأفضی بهم النظر لا إلی درس شمولی کونی للغة فحسب بل قادهم النظر أیضاً إلی الکشف عن کثیر من أسرار الظاهرة اللسانیة مما لم تهتد إلیه البشریة إلا مؤخراً بفضل ازدهار علوم اللسان منذ مطلع القرن العشرین » (المسدی ، 1981 ، ص 26)

لقد أولی العرب اللغة العربیة أکبر قسط من العنایة والإهتمام ولهذا ازدهرت العلوم اللغویة عندهم ازدهاراً کبیراً . فلما شارکوا فی الجدل الذی کان قائماً حول طبیعة اللغة ونشأتها کما کان عند فلاسفة الإغریق  ، حیث کان یری أفلاطون بأن اللغة ظاهرة طبیعیة وأن الکلمة وأصواتها جزء لا یتجزأ من المعنی ویری أرسطو من جانب آخر بأن اللغة ظاهرة إجتماعیة وأن أصواتها رموز اصطلاحیة لا علاقة طبیعیة لها بالمعنی ، فاعتقد بعض علماء اللغة العرب ومنهم «ابن فارس» بالنظریة التوقیفیة مستشهداً علی ذلک بظاهر الآیة القرآنیة « وعلم آدم الأسماء کلها » ، والبعض الآخر مثل «ابن جنی» فقد رأی بأنها أی اللغة اصطلاحیة إذ یقول : « إن أکثر أهل النظر علی أن أصل اللغة إنما هو تواضع واصطلاح لا وحی وتوقیف » (ابن جنی ، ص 51) . أما الدراسات اللغویة الحدیثة والتی تتمیز بالمنهج العلمی فی البحث تنقسم إلی ثلاثة اتجاهات متعاقبة تعتبر بحق ثورات فی علم اللغة . الإتجاه الأول ظهر نهایة القرن التاسع عشر وکان رائده العالم السویسری «دی سوسیر» (1913 - 1857) ومن خلال کتابه الشهیر «محاضرات فی علم اللغة العام» والذی جمعت فیه محاضراته ودروسه فی مجال علم اللغة ونشر بعد رحیله بثلاث سنوات . برز الإتجاه الثانی عام 1957 م من خلال کتاب «التراکیب النحویة» للعالم اللغوی والمفکر الأمریکی «نوام تشومسکی» . یتمثل هذا الإتجاه کما حاول رواده إثبات ذلک «إقامة تناظر بین مراحل التفکیر اللسانی ومقومات نظریة النحو التولیدی کما حددها تشومسکی». أما الإتجاه الثالث فانطلق من خلال الدراسات اللغویة الإجتماعیة الحدیثة . أی یتمثل فی الدراسات التاریخیة والمحاولات التنظیریة العامة . یحاول رواد هذا الإتجاه «البحث فی خبایا التراث اللغوی بغیة إدراک أسرار العلم اللسانی الحدیث من جهة وتقییم التفکیر التاریخی فی الظاهرة اللغویة بمنظور حدیث من جهة أخری» . (المسدی ، 1981 ، ص 15) .

**********

لایختلف أحد علی أن اللغة فی ظاهرها أصوات وهذه الأصوات تعبر عن معان ، ویبدو الأمر هذا بدیهیاً جداً یعرفه الجمیع ، ولکن ما هو بحاجة إلی الدراسة والتحلیل هو تلک العلاقة التی تقوم بین هذین العنصرین ، لأن جوهر اللغة فی الواقع هو هذه العلاقة . فإذا استطعنا أن نفهم الکلام أو فعل التکلم وأن نفسر کیف یکوﱢن الإنسان الرسالة فی الهواء حتی تصل إلی إذن السامع ثم کیف یحلل هذا رموزها ویفهم معناها ، إذا استطعنا أن نفعل ذلک فقد القینا بعض الضوء علی عملیة التکلم أو ما یسمی بالحدث اللغوی . هناک ما یکشف عن حاجة الإنسان إلی الکلام لیس للتعبیر عن حاجاته أو لإنتاج عملاً أدبیاً بدیعاً فحسب بل هناک ما یشیر إلی أن الکلام بحد ذاته هو حاجة ضروریة .. عندما نسئل عن فائدة اللغة أو وظیفتها ، لا شک فإن أول ما نسمعه هو أن اللغة وسیلة للتخاطب ونقل المعنی والأفکار وأحیاناً الأحاسیس والمشاعر وکذلک لتأسیس العلاقات الإجتماعیة بشکل عام ، هذه هی وظیفة اللغة وفائدتها . ولکن للتأکید علی أهمیة اللغة فلابد من القول بأنها لیست فقط وسیلة للتخاطب ونقل المعنی بل هی علامة رئیسیة من علامات الهویة . عندما نبحث عن المقومات والثوابت المعبرة عن الکینونة والهویة ، لابد أن یتوجه الإهتمام نحو اللغة باعتبارها عنصراً أساسیاً لوجود الإنسان بما هو إنسان . هکذا لا تغدو إذن اللغة مجرد رموز وأصوات بل هی عنوان الهویة . لا یمکن الحدیث عن تاریخ أمة أو شعب دون أن نتحدث عن لغة تلک الأمة أو ذلک الشعب ، اللغة هی التی تحافظ علی الوجود رغم التطور وعلی الهویة عبر التاریخ . فالتعامل مع اللغة باعتبارها ظاهرة إجتماعیة فی الحقیقة هو تعامل مع مقومات الحضارة . فاللغة کما یقال « لیست أداة بقدر ما هی کینونة » . هناک تعاریف مختلفة ومتنوعة للغة کل من منظور محدد ینظر إلی اللغة ویقوم بتعریفها وشرح وظیفتها و... فثمة منظور فلسفی للغة وثمة منظور سیکولوجی (نفسی) لها وکذلک ثمة ما ینظر إلیها من زاویة علم الإجتماع أوعلم الأجناس أوعلم الأصوات و لهذا أیضاً یقال « إن صفات اللغة وطبیعتها اللامادیة ووظیفتها الرمزیة تکفی لکی تبتعد اللغة عن الأداة وعن مفهوم الأداة . فاللغة لیست ظاهرة زائدة علی الإنسان إذ هی فی صمیم الإنسان ، فهی لیست ظاهرة مستقلة عن الإنسان . » (أدهم ، 1993 ، ص 130) فاللغة هی منظار العقل ، لکن اللغة ذاتها نمت واتسعت وأصبح من الواجب التنقیب فی عباراتها وفی تراکیبها وفی نصوصها لمعرفة طریقة عملها وطریقة تناظرها مع الواقع . من الأهمیة بمکان أن ندرک بأنه لا یمکننا أبداً أن نتصور تفکیراً دون لغة وهذا ما حدا بعلماء النفس إلی القول بأن « الإنسان یخلق باللغة بقدر أکبر من أن یخلق هو اللغة » . فما یعتقده « سوسیر » وکذلک « فیتغنشین » هو أن الکلمة هی التی تکوﱢن الفکرة ولیس العکس . فإذن یفکر الإنسان عن طریق اللغة ویبنی کذلک نظام تفکیره وتعقله بواسطة اللغة واکتسابه للمعرفة وفهمه للعالم یتم أیضاً عن طریق اللغة . لذک فإن للغة دوراً هاماً ورئیسیاً فی ترسیم الشخصیة الفردیة والإجتماعیة .

**********

اللغة الأم والتعدد اللغوی

بلمحة خاطفة علی الخارطة العالمیة نجد الألوان الزاهیة المختلفة والمتنوعة تضفی علی هذه الخارطة جمالاَ وحیویة . ولا تتمثل هذه الألوان إلا فی الهویات والثقافات والأجناس المختلفة فی عالمنا ، وکل لون فی الحقیقة من هذه الألوان یرمز إلی لغة خاصة ینطق بها أهل تلک اللغة. فالحدیث عن اللغة الأم یأخذنا من جانب آخر إلی الحدیث عن اللغات المختلفة وهو یعنی الإقرار بوجود الإختلاف والتنوع والعکس صحیح أیضاً أی أن مفهوم التنوع والتعدد اللغوی ملازم لمفهوم اللغة الأم ’ فالإهتمام بها هو الإهتمام بالإنسان وثقافته بکل أشکالها وألوانها . أما الذین یؤمنون بالأسطورة البابلیة فی هذا المجال أو من یتذرعون بها یرون فی هذا الإختلاف مصدراً للخلافات البغیظة والصراعات المهلکة أو بالأحری یخلقون له ذلک لیمنعوا إمکانیة التعایش والتعاطی وبالتالی یعرقلون مسیرة التطور والرقی والإزدهار . فالحدیث عن اللغة الأم لابد له بطبیعته أن یفضی بنا أیضاً إلی التطرق لمفاهیم أخری کالإزدواجیة والتعددیة والثنائیة اللغویة حیث أصبحت هذه المفاهیم تلقی بظلالها علی معظم الدراسات والأبحاث اللغویة . کیف لا و« قد اعترف علماء اللغة بأن حالة الإزدواجیة اللغویة والتعددیة اللغویة هی أکثر شمولاَ مما کانوا یتصورون  » (نرسیسیانس ، 1382 ، ص 53) .

 یکاد أن یتفق جمیع علماء النفس واللغة – إلی حد ما- علی أن أسباب الإختلاف اللغوی هی ناتجة عن العناصر الوراثیة والعناصر البیئیة (التعلم – الإکتساب) ذلک مع أخذنا فی الإعتبار النسبیة طبعاً ، فهناک تلعب الأسباب الأهم أو العناصر الأکثر تأثیراَ دوراً حاسماً فی هذا الإختلاف والتعدد .. وغالباَ ما یتجلی هذا الإختلاف بین الناس نظراَ للتجارب والدراسات المقارنة فی اللغة الأم ’ فی بناء الجمل نحویاَ وإیجاد الکلمات والمصطلحات والمفردات المناسبة للمفاهیم المطلوبة وکذلک فی القدرة علی الکلام والخطابة وفی الإمکانیة علی تفکیک وتحلیل المعلومات والمعطیات اللغویة والمقدرة علی القراءة والکتابة والإستماع والتمکن من استخدام اللغة فی النشاطات الفکریة المختلفة .

مما یجدر بنا ذکره هنا هو أن اللسانیات المعاصرة والتطبیقیة منها بالذات ، هی التی قد جاءت بهذه المفاهیم الجدیدة والتی لم تکن من قبل مطروحة علی ساحة التفکیر اللسانی أو فی أقل تقدیر لم تحظ بالإهتمام اللازم وهذه المفاهیم کما هو معروف قد حملها علم إجتماع اللغة إلی حقل علم اللغة الحدیث . رغم أن التعددیة أو التنوع اللغوی یشیر بشکل طبیعی إلی وجود لغات متعددة ومختلفة لکنه لابد من التذکیر أیضاً بأن الدراسات الخاصة بالإزدواجیة أو الثنائیة أو التعددیة اللغویة لا تتم أساساً بسبب وجود لغات مختلفة ، بقدر ما هی تتمحور علی موضوع الشخص أو المجتمع المزدوج أو المتعدد لغویاً حیث یشکل ذلک بالإجمال حقلها الرئیسی .   

هناک من تطرق فی تاریخ التفکیر اللغوی العربی إلی موضوع الإزدواجیة اللغویة أیضاً ’ فالجاحظ فی (الحیوان) وابن جنی فی (الخصائص) وبعض العلماء والفلاسفة کإبن خلدون فی (المقدمة) والفارابی فی (الحروف) و آخرین ... ناقشوا هذه الظاهرة ولکن من منظور آخر کالترجمة وشواغل هذا الفن ومشاکله وذلک بالرغم من هیمنة حالة التوحد فی اللغة بسبب هیمنة القرآن فی الثقافة العربیة الإسلامیة . « .. أن التجربة اللغویة فی تاریخ الحضارة العربیة قد اتسمت بوحدانیة البعد لأن امتزاج الثقل الحضاری بالمیزان الدینی وانصهار المضمون العقائدی فی ذات اللغة نصاً وتشریعاً وتعبداً ’ کل ذلک قد جعل البناء اللغوی فی الحضارة العربیة نازعاً نحو التوحد حتی لکأن الإزدواج اللسانی أو التعدد اللغوی قضیة معزولة سلفاً عن ساحة البسط والمطارحة . ورغم طابع الوحدانیة فی تجربة الحدث الکلامی فقد حوی المخزون العربی نفثاتٍ استقرائیة دلت علی نظر عمیق فی معطیات الإزدواج اللغوی » (المسدی ، 1981 ، ص 232) . إلا أن أول من نظر للإزدواجیة اللغویة کموضوع مستقل یدخل حقل دراسات علم اجتماع اللغة هو عالم اللغة الإنجلیزی « شارلز فرجسون » عام 1959 م واصطلح علیه « diglossia ». عند تعریف هذا المصطلح یقال بأنه یطلق علی ضربین من الإستعمال اللغوی عند جماعة لغویة واحدة أو یطلق علی وجود نمطین توأمین من اللغة الواحدة لکل منهما وظیفة خاصة . إذن هی فی الحقیقة إزدواجیة فی الإستعمال أی إزدواجیة نمطیة للغة الواحدة . ولکن الوظیفة هذه تبدو أحیاناً خطیرة جداً حیث تجعل من النمط ذاته لغة مستقلة وهذا ما حدا ببعض اللغویین إلی القول بأن الإزدواجیة لا تنشأ إلا من لغتین مختلفین . هذا ما یدعو إلی النظر من جدید وبدقة وتأمل لضبط المفاهیم . فهناک مصطلح آخر یعرف بالثنائیة اللغویة وهی الحالة اللغویة التی یستخدم فیها لغتان مختلفتان فی مجتمع أو بیئة إجتماعیة واحدة . یری البعض بأن ما یدعی بالإضطراب فی المفاهیم لدی الناس لیس إلا نتیجة التطور المتسارع الذی حصل فی هذا الحقل اللغوی . ویقترح آخرون التأکید علی مصطلح التداخل اللغوی (interference) لیکون جامعاً لمستویات استعمالیة مختلفة ومتعددة قد تشترک فیها الإزدواجیة مع الثنائیة . لکن ما استقر علیه الرأی واتفق علیه اللسانیون – علی ما یبدو – هو أن الإزدواجیة تعنی العلاقة أو التداخل بین اللغة ولهجاتها المحلیة المختلفة وأن الثنائیة تبحث فی العلاقة أو التداخل بین لغة ولغة أخری .

أما السؤال الذی ینبغی الإجابة علیه فی هذا المجال هو : هل تعتبر الإزدواجیة أو الثنائیة اللغویة وعموماً التداخل اللغوی ظاهرة إیجابیة فی المجتمع أم لا ؟ هناک من ینظر إلیها باعتبارها ظاهرة مخلة للفرد وللمجتمع ویدعو إلی معالجتها بأیة طریقة کانت وذلک من أجل ما تسمی بالوحدة والتوحد وعدم التشتت فی المجتمع وفی مناهج التعلیم وطرائق التحصیل اللغوی وما إلی ذلک من مبررات دون أی تمییز بین هذه المصطلحات والمفاهیم . وهناک من یعتقد بسلبیة وجود مثل هذه الظاهرة مع التمییز فی نسبة الضرر لکل من الحالتین الإزدواجیة والثنائیة ویؤکد بقوله : « إن أمر الإزدواجیة وإن بدا فی الظاهرشبیهاً بأمر الثنائیة یختلف منه اختلافاً شدیداً ، وإن کان کل منهما مضر وإن اعتبرت الإزدواجیة أکثر ضرراً » (مجموعة کتاب ، 2007 ، ص 69) . هذا ما یستنکره الیوم العلماء والأخصائیین فی مجال اللغة وعلم النفس ویدعون إلی قبول هذا الواقع والتعامل معه بعلمیة . فمعالجة بعض المشاکل الطبیعیة لهذه الظاهرة لا تتم عن طریق القمع والإرهاب اللغوی . « نظراً لعلم اللغة فإن أفضل طریقة أمام المجتمعات المزدوجة لغویاً أو المجتمعات التی یعیش بین أفرادها جماعة مزدوجوا اللغة هو القبول والإعتراف بالإزدواجیة والعمل علی دعمها وترسیخها علمیاً ومنهجیاً » (ترادیجل ، 1376 ، ص 102) . وهناک دراسات عدیدة تؤکد علی ضرورة هذا الأمر وخاصة فی البلدان التی تنعم بمثل هذا التنوع والتعدد اللغوی . تقول الکاتبة (جولیا سلاتر) فی مقال بعنوان (التعددیة اللغویة فی الکنفدرالیة "ثقافة حیة" و "رابط مهم" للهویة السویسریة) : « فقد توصل الباحثون وعلماء اللغة الذین أشرفوا علی إعداد دراسة واسعة النطاق حول التعددیة اللغویة فی سویسرا ، توصلوا إلی أن التعددیة اللغویة فی الکونفدرالیة ، لیست مصدراً للتفاهم المشترک فحسب ولکنها رابط مهم لتماسک السکان فیما بینهم »* . وکما یذکر فأنه قد تم خلال خمس وثلاثین سنة أکثر من مائة وخمسین بحثاً علمیاً أثبت أن أصحاب الإزدواجیة فی اللغة ، لیس یفهمون اللغة أکثر من غیرهم ویتعلمونها ویتقنونها أکثر من غیرهم بل یصبحون فی درجة عالیة من المرونة الفکریة . بالإضافة إلی ذلک ثمة من یمیز بین وجهی هذه الظاهرة الوجه الإیجابی منها والآخر السلبی لیؤکد علی أن المشکلة لیست فی الظاهرة نفسها وإنما فی طریقة التعامل معها. تشیر الباحثة « إمیلیا نرسیسیانس » مثلاً إلی مفهوم الثنائیة اللغویة الهابطة وتقول : « إن التعامل المتبادل بین الثقافات واللغات ستؤدی بطبیعتها إلی الوحدة الإجتماعیة وأی محاولة لمنع هذا التعامل ستؤدی إلی حالة الثنائیة اللغویة الهابطة (substractive bilingualism) أو حتی حالة التشظی اللغوی (biculturalism) والتی یفقد فیها ثنائیو اللغة التمکن فی إحدی أو فی کلا اللغتین » (نرسیسیانس ، 1382 ، ص 55) . وتکمل هذه الباحثة فی مکان آخر بقولها : « إن تعلم أیة لغة واستعمالها تضر اللغة الثانیة فی الثنائیة الهابطة حیث أن تحصیل أیة مهارة فی إحدی اللغتین یساوی ضیاع المهارة فی الأخری ولکن إذا ما وجدت ظروف اجتماعیة مناسبة یمکن أن تتحقق الحالة الأخری وهی الثنائیة اللغویة الصاعدة حیث فیها تحصیل المهارة فی إحدی اللغتین یزید علی المهارات فی اللغة الأخری » (نرسیسیانس ، 1382 ، ص 82) .

إذن لایمکن النظر إلی هذه الحالة أی الإزدواجیة والثنائیة اللغویة أو التنوع اللغوی عموماً باعتباره عبئاَ أو خطراً یهدد اللغة ولایجوز کذلک اتخاذ سیاسات تعسفیة وقمعیة وبالتالی إرتکاب أبشع المجازر اللغویة بحجة توحید اللغة وتحقیق الوحدة ’ حیث ذلک وکما أسلفنا لیس لا یجدی نفعاَ فحسب بل یسلب الفرد والمجتمع إمکانیات إبداعیة هائلة ویضیع علیهما فرصاَ من شأنها أن تأخذهما إلی عالم التطور والرقی . من هنا یمکن الحدیث عن مفهوم الأمن اللغوی أو اللسانی . فماذا یعنی ذلک ؟ یعنی الإهتمام باللغة والحفاظ علیها والعمل علی أن تکون مواکبة للتطورات وأن تکون حاضرة فی کل الحقول المعرفیة ویعنی أیضاً أن نحمیها من کل ما یمکن له أن یعیب إصالتها أو أن یعیق تطورها . فإذا کان هنالک من یتحدث عن إختفاء حوالی ثلاثة آلاف وحتی أربعة آلاف لغة قائمة ومتداولة الیوم خلال القرن الجاری فلابد إذن من أخذ الحیطة والترکیز علی موضوع الأمن اللغوی . أجل هناک دراسة تشرف علی إعدادها الیونسکو منذ أکثر من تسع سنوات حول اللغات فی العالم ، تشیر إلی إختفاء 5500 لغة من أصل 6703 لغة خلال هذا القرن وهذا ما یخیف حقاً . یری بعض الباحثین مثلاً أن حوالی  « ثلاثة وسبعین لغة من أصل مائة وثلاثة وعشرین فی القارة الأوروبیة بنسبة 35\59% فی طریقها إلی الإختفاء وذلک رغم الإجراءات التی اتخذتها المجموعة الأوروبیة لحمایة لغاتها باعتبارها جزءاً من التراث الإنسانی تجب حمایته » . وهذا ما دفع المهتمین بالأمر بالقیام لإنشاء مؤسسات ومراکز تعمل علی أساس إزاحة المخاطر التی تهدد حیاة اللغات هذا فضلاً عن المناشیر والبیانات المتعددة التی نشرت بهذا الشان ، منها علی سبیل المثال : « منشور أروبا بشأن لغات الأقلیات واللغات الإقلیمیة الصادر عام 1992 وإعلان بارشلونا حول الحقوق اللغویة الصادر عام 1996 أو إنشاء مؤسسة اللغات المهددة فی انجلترا والمکتب التمثیلی لیونسکو فی طوکیو عام 1995 » (کریستال ، 1385 ، ص 73) . فالقضیة لا تتحدد بموضوع صیانة اللغات من الضیاع والإندثار فحسب بل تتجاوز ذلک لتشمل الإهتمامات بخصوص إحیاء اللغات . ولکن ما هی أسباب الإختفاء أو هذا الضیاع والإندثار أو موت اللغات ؟ فقد أحصی الخبراء والعلماء فی الواقع أسباباً کثیرة ومتنوعة لهذا الأمر ولکن أهمها علی ما یبدو هی ؛ الکوارث الطبیعیة ، المجازر والتطهیر العرقی ومختلف أشکال التجاذبات الثقافیة أو بالأحری الإنسلاخات والإغترابات اللغویة حیث تغیب اللغة الأم فی هذه الحالة لتحل محلها لغة أخری أو تذوب فی لغة أخری . فی الحالتین الأولی والثانیة (أی الکوارث الطبیعیة والتطهیر العرقی) یغیب أصحاب اللغة أولاً فتغیب معهم لغتهم ولکن فی الحالة الثالثة (الإنسلاخ أو الإنسلاب اللغوی) یتم قتل اللغة لیضیع بعدها أهلها بضیاع لغتهم وهویتهم . هناک أسباب عدة تؤدی إلی هذه الحالة وقد تبدو مشترکة فی کل المناطق والمجتمعات منها ؛ الضغوط الشدیدة التی تکره الناس علی التکلم باللغة المسیطرة سیاسیاً وهی أشکال تبدأ من وضع قوانین تفرض ذلک فرضاً أو قرارات وتعمیمات ووصایا تحث وتشجع علی ذلک ولا تنتهی عند اعتبارها میزة وفضیلة (نتیجة الضغوط طبعاً) أو المحاولة من قبل البعض للتشبه بالآخر المتفوق . ومنها أیضاً هیمنة لغة علی الأخری بفعل ممارسة النشاطات الثقافیة والإجتماعیة المختلفة بإحدی اللغتین فقط (اللغة الغالبة – الرسمیة) حیث تسلب المهارة شیئاً فشیئاً بل القدرة علی استخدام اللغة الأصلیة - الأم حتی تحل محلها تلک اللغة المهیمنة . قد لا یستطیع المرء أن یمنع حتفه ولا تسمح له قدراته المادیة من أن یقاوم الموت ولکنه یستطیع أن یمنع اغتیال لغته ویمکنه التصدی بقوة لکل من أو ما یرید العبث بلغته . أجل یستطیع أن یصون لغته ویحمیها من کل ما یمکنه أن یمسها بسوء بل ویجعلها ترفل بین اللغات زاهیة عزیزة وذلک بالإعتزاز بها والإعتزاز یعنی الإهتمام بها لا أن نترکها تتهمش یوماً بعد یوم وتتحجر .  إن اهتمامنا باللغة یعنی الإهتمام بالتاریخ والثقافة والحضارة والهویة .  

***********

أما ..  اللغة الأم

هی اللغة الأصلیة أو اللغة القومیة أو اللغة المحلیة .. الحدیث عن اللغة الأم یعنی حسب ما نراه ونعتقد به ، هو الحدیث عن قیمة لسانیة وعن قضیة إنسانیة فی آن واحد .

اللغة الأم هی ما یتلقاها الطفل من أمه بشکل أصوات وعلامات ورموز ثم یبدأ بنسج الکلمات والجمل شیئاً بعد شئ متأثراً بالمعانی التی تسکن الکلمات أو الروح التی ترمز إلی المجتمع أو الشعب بکل مکوناته التاریخیة والحضاریة والثقافیة . فهی ما یرثها تأریخیاً - ولیس جینیاً - وتشکل نمط تفکیره وبالتالی عالمه الذی یعیش به وفیه أیضاً . اللغة الأم إذن هی الکینونة والهویة . ولهذا بالذات یقال أیضاً إن شئت أن تبید شعباً لا تحتاج بالضرورة إلی أن تستخدم القنبلة الذریة ، یمکن لک أن تفعل ذلک بقتل لغته .

اللغة الأم هی تلک اللغة التی یتحسسها الطفل حتی قبل ولادته ویعیش بها أصوات ونغمات وهی تحمل معها الأفکار والمشاعر بل التاریخ والتراث . لا یکتشف الطفل المعرفة بذاته بل یلقن فی بدایاته بها وذلک عن طریق الإشارات والنظام الرمزی المشحون فی اللغة ، فهو کما یقال یولد فی أحضان اللغة وهکذا یشرب من معینها فیتعلمها ویتدرب علیها قبل أن یفکر . « إن الطفل یتکلم فی البدایة قبل أن یفکر ، وهذه مقولة لها دلالة کبیرة . إذ اللغة تجذب الطفل إلی المعرفة وهی التی تظهر له وتظهره إلی الوجود ، وتحدد له قیمته واتجاهاته المستقبلیة . فهی الخطیئة الأولی ستلازمه ککاتب وفنان وفیلسوف وإنسان عادی ، ولا یتم التطهیر والنقاء ولا تظهر الشفافیة والرؤیة الکونیة إلا بهدم اللغة الأولی ...» (أدهم ، 1993 ، ص 138) . عندما یولد الطفل صارخاً محتجاً بصوت عال فأول ما یتلقاه هو الرضاعة ممزوجة بالصوت والنغمة (الکلمة) .. یتلقی الطفل الصغیر اللغة أصوات ومناغاة من أمه وهی تهدهده وترضعه وتداعبه وتمنحه الطمأنینة وتشعره بالأمان وتغذیه وتشبعه روحاً وجسداً ، وهکذا تمتزج اللغة بالحس والعقل تعبیراً عن حاجات نفسیة وبیولوجیة . هناک بعض الدراسات الحدیثة تثبت بأن اللغة تبدأ مع أول نغمات البکاء رغم أن اکتسابها یبدأ عند الإنسان قبل الولادة کما مرت الإشارة ، ولهذا یقال بأن الأطفال یمکنهم التعرف علی أصوات أمهاتهم وحتی أبعد من ذلک یمکنهم تمییز لهجة أمهاتهم . أی أنهم یمیزون مسارات لحنیة وطبقات صوتیة مختلفة . فعندما یتحدث الإنسان باللغة الأم تتشکل هنالک علاقة بین القلب والفکر واللسان ، حیث العبارات والمعانی توحی الماضی والتاریخ والثقافة والتجارب ولحظاتها .  

أما السؤال عن کیفیة تعلم الطفل للغته الأم والذی یبدو فی الوهلة الأولی سؤالاً تسهل الإجابة علیه .. ما زال هذا السؤال یشغل العقول والأفکار بما فیه من التعقید ، والتعقید هذا یکمن أیضاً فی طریقة فهمنا واستیعابنا لهذا اللغز الجمیل أی لظاهرة اللغة نفسها ؛ هل اللغة ظاهرة تعلیمیة لابد أن نتعلمها ، کما نتعلم السباحة والقیادة و... یعنی هل هی مهارة من المهارات أم إنها ظاهرة ذاتیة وأبعد من ذلک ؟ بعبارة أخری هل اللغة هی ظاهرة تتکامل بالإکتساب أم ظاهرة تتطور بالفطرة مع الإنسان ؟ هناک نظریات مختلفة منها ما تنظر إلی اللغة بأنها ظاهرة اکتسابیة ومنها ما تعتقد بذاتیتها . وهناک أیضاً ما توصلت إلی کون اللغة ظاهرة إجتماعیة کسائر الظواهر الإجتماعیة ، فهی إکتسابیة تعتمد علی التعلیم وأنها ذاتیة لا تحتاج إلی التعلیم ، فی آن واحد .  فأصحاب نظریة الإکتساب والتعلیم یستندون إلی خضوع اللغة بشکل عام إلی النضوج والتطور من خلال الممارسة والتعلیم . وأصحاب نظریة الذاتیة یستدلون علی ذلک أولاً بسهولة تعلمها عند الأطفال رغم صعوبتها وثانیاً باتباع الطفل لتعلم اللغة أنموذجاً موحداً فی کل اللغات والثقافات .  

اللغة الأم هی التی تعبر بکل صدق عن الذات وهی العنصر الأبرز والأقوی فی تشکل هویة الأفراد والشعوب ، بل هی الهویة . روح الشعوب – کما یقال – تکمن فی لغة الأجداد أو قلب الشعب ینبض فی لغته أو اللغة معبد یضم روح الناطقین بها .. فالضیاع فی اللغة سیؤدی دون ریب إلی الضیاع فی الهویة . کل اللغات تعبر عن هویة الناطقین بها وعن تراثهم الثقافی . فالإهتمام باللغة الأم قبل أن یکون مطلباً سیاسیاً أو حتی ثقافیاَ بالمعنی الأخص ، هو مطلب إنسانی بإمتیاز . وهذا بالتحدید ما دعی الأمم للإحتفاء والإهتمام باللغة الأم واحترامها وکذلک الإعتراف بها من قبل البلدان المتعددة والمتنوعة لغویاً فی قوانینها ودساتیرها . ولهذا أیضاً اعترف الدستور الإیرانی باللغة الأم (اللغة القومیة أو المحلیة) وأجاز التدریس والتعلیم بها ، فوفقاً للمادة الخامسة عشر من الدستور الإیرانی فإنه یجوز استخدام اللغات المحلیة إلی جانب اللغة الرسمیة الفارسیة . من نافل القول أن نذکر هنا بأن ما أثیر من جدل حول مفهوم المادة (15) من الدستور الإیرانی بالنسبة لجواز استعمال اللغة الأم (المحلیة) وقد یعتبر أحد الأسباب فی تعطیل هذه المادة وعدم تنفیذها حتی الآن یتلخص فی تفسیر المادة . لا نرید أن نتوسع فی هذا الموضوع من خلال هذا المقال ولکن نشیر فقط إلی أن هناک من فسر هذه المادة الدستوریة بأنها تجوﱢز تدریس اللغة المحلیة ولیس التدریس بها وهناک من یقول عکس ذلک . لکننا نعتقد نظراً للدراسات اللغویة المختلفة وأهمیة ظاهرة اللغة الأم ودورها فی التنمیة ، بأنه یجب تدریسها والتدریس بها فی نفس الوقت . علی العموم هناک لغات مختلفة ومتعددة وأنماط لغویة وکذلک لهجات کثیرة ومتنوعة لیس یجب الإعتراف بها فحسب بل لابد من الإهتمام بها . فاللغة الفارسیة هی اللغة الرسمیة فی إیران وتشکل إلی جانب اللغات الأخری فی هذا البلد  الثنائیة اللغویة وتشکل أیضاً إلی جانب لهجاتها فی مختلف المناطق ، الإزدواجیة اللغویة . الجدیر بالذکر أن هذه الظاهرة الجمیلة والمیزة الفریدة والتی تعم غالبیة البلدان والمجتمعات فی العالم یمکنها أن تنقلب أحیاناً إلی مشکلة وعائق أمام مسیر التطور والتقدم للإنسان والمجتمع وذلک عند اتخاذ السیاسات الخاطئة وغیر العلمیة للتعامل معها .

تتمحور معظم المقترحات والحلول التی تقدمت فی هذا الشأن - أی التعدد والتنوع اللغوی - ولمعالجة هذه الظاهرة أو التعامل معها حول حلین أو مقترحین لا ثالث لهما . الحل الأول هو توحید اللغات أو صهرها فی لغة واحدة وهذا یعنی التهمیش والإقصاء بل إبادة اللغات القومیة (المحلیة) أو غیر الرسمیة . هذا الحل وهذه السیاسات غالباً ما تعتمدها الأنظمة الدیکتاتوریة العنصریة . علی هذا الأساس یحظر التحدث باللغة المحلیة (الأم) واستعمالها فی المدارس والدوائر والمؤسسات الحکومیة بأی حال من الأحوال . غیر أن علماء اللغة وعلماء النفس والخبراء والأخصائیین فی مجال التعلیم و التربیة یرفضون هذه السیاسة ولا یعتبرونها حلاً فضلاً عن کونه صحیحاً أو خاطئاً وذلک لعدة أسباب أهمها ؛ لأنها تشکل خطراً نفسیاً قبل أن تکون فجیعة ثقافیة وبالتالی هی جریمة بحق الإنسانیة ، ذلک أن اللغة کما هو معروف لم تعد محض وسیلة للتخاطب ونقل المعنی وإنما هی رمز الهویة ولهذا فإن حذف اللغة بواسطة الأحکام والقرارات یعتبر حذفاً لهویة الفرد وتهمیشها أو الحط من شأنها یعنی تهمیش الفرد والجماعة التی تنتمی إلی هذه اللغة المهانة . وبما أن هذه السیاسة تحمل فی طیاتها معنی التحقیر سوف تؤدی ممارستها إلی الإنفصام بشخصیة الطفل الذی ینتمی لسانیاً ولغویاً إلی غیر اللغة الرسمیة وتجعل منه شخصیة ضعیفة متزلزلة ویظل یطارده شعور بالإحتقار حتی دون أن یدری ، وتخلف أیضاً أضراراً نفسیة أخری واجتماعیة . هذا طبعاً بالإضافة إلی ما یقال عن التدنی فی مستوی التعلیم وتدمیر الطاقات الفکریة والإبداعیة . أما الحل الثانی هو القبول بالتنوع والإختلاف والتعدد اللغوی ، وهو الحل الذی ارتضاه الکثیر من العلماء . یسمح فی هذا المنهج أن یتم استخدام اللغة الأم ، فالطفل یستعمل لغته المحلیة (الأصلیة – الأم) فی البیت وفی المدرسة وفی کل مکان . إذن یکون لکلتی اللغتین الرسمیة وغیر الرسمیة الحضور والإحترام ولکل منهما الدور والوظیفة التی تقوم بها اللغة . بهذا الحل لیس یتم الحفاظ علی اللغات وتنوعها فحسب بل تزداد رغبة التلامیذ والأطفال بتعلم اللغة وکذلک اتساع مقدرتهم اللغویة من خلال ممارسة اللغتین ومن جهة أخری یتعزز الشعور بضرورة قبول الآخر وارتفاع نسبة التفاهم فی المحادثات والإقتناع بوجود الإختلاف کواقع طبیعی یجب التعامل معه بعقلانیة ولیس بالحذف والإقصاء . فتوسیع الهوة فی حالة الإزدواجیة اللغویة بین اللغة الرسمیة واللهجة أو بین الفصحی والعامیة أی بین لغة التدریس والتعلیم ولغة الحیاة الإجتماعیة الحمیمة تضر بفهمنا ووعینا للمفاهیم وتعقد من عملیة التلقی الصحیح والطبیعی والتعلیم المنهجی . کما أن هیمنة لغة علی أخری أو ذوبان لغة فی لغة أخری فی حالة الثنائیة اللغویة تضر أیضاً بفهمنا للغة أولاً وإدراک أهمیتها وتحرمنا من نعمة التنوع . فلابد إذن أن نؤکد علی أن الإختلافات اللغویة لم تکن بحد ذاتها مشکلة فی المجتمع بأی حال من الأحوال إنما المشکلة کما أسلفنا تکمن فی عدم انتهاج المناهج العلمیه وعدم استخدام الأسالیب التعلیمیة الصحیحة للتعامل مع هذه الحالة اللغویة . فارتکاب الإبادة اللغویة باسم الوحدة جریمة کبری بحق العلم والمعرفة وبحق الإنسان .

تشیر الدراسات إلی أن التعدد اللغوی فیما إذا أقر رسمیاً وعملیاً ستکون له نتائج أیجابیة کثیرة تسهم بشکل کبیر فی تنمیة المجتمع . هناک أکثر من مائة وخمسین بحث علمی خلال ما یقارب علی نصف قرن أثبتت أن أصحاب الإزدواجیة والثنائیة اللغویة ، لیس یفهمون اللغة أکثر من غیرهم ویتقنونها بل یصبحون فی درجة عالیة من المرونة الفکریة . إذن الفهم الصحیح للغة الأم والإحاطة بمدی أهمیتها والمعرفة العلمیة بطریقة التعامل معها هو الأصل فی الحکم علی هذه الظاهرة . إذا کان الأطفال یعانون من لغتهم المحلیة أو یستخفون بها فإن ذلک الأمر یعود إلی نوع التعامل مع هذه اللغة وشکل التلقی الذی ینمحه المجتمع عموماً والأفراد خصوصاً إلی الأطفال ولیس إلی اللغه نفسها . لهذا یجب علینا تغییر أسلوبنا فی التعامل مع اللغة وفی شکل التلقی والإلقاء ولیس تغییر اللغة . هناک من یبدی تخوفاً من أن تدریس اللغة الأم والإهتمام بها سیؤثر سلباً علی الطفل وسیؤخره فی عملیة التحصیل والتعلم باللغة الرسمیة وبالتالی یجعله أن یتخلف عن الآخرین ! فیقوم بتلقین الطفل منذ بدایاته اللغة الرسمیة لأنها لغة الدراسة ولغة کل شئ ، بل وأکثر من ذلک حیث یری بأنه لیس من الضروری أن یتعلم أو أن یتقن هذا الطفل لغته المحلیة (اللغة الأم – اللغة القومیة) لأنها لیست عدیمة الفائدة فی مجتمع تحکم فیه اللغة الرسمیة بقوة فحسب بل مضرة وقد تکون السبب فی فشل الأطفال فی الدراسة . هذا الخطأ الفادح وشبه الشائع فی التفکیر لدی الکثیر من الناس فی المجتمعات المتعددة لغویاً وأسباب أخری قد مر ذکرها ، تؤدی أیضاً إلی ضیاع لغة الأم وموتها شیئاً فشیئاً . هذا بینما تؤکد معظم الدراسات علی أن البدء بتعلم لغة غیر لغة الأم فی بدایة مرحلة الدراسة تؤثر سلباً فی الکثیر من الحالات علی قدرات الطفل فی التعلم السلیم وفی النجاح والتفوق وکذلک التأکید علی الدور الأساس الذی تلعبه اللغة الأم فی التنمیة البشریة عموماً . عندما یدخل الطفل إلی صف الدراسة ، یدخل فی الحقیقة إلی عالم آخر وفضاء آخر ولما یدخل المدرس أو المدرسة إلی الصف ، تغلب هنالک نظرة خوف واحترام وحذر وترقب ، والشئ الوحید الذی یمکنه أن یحمی الطفل وینقذه من هذه الغربة هو « اللغة الأم» . التحدث باللغة الأم مع الطفل یؤمن له الإستقرار والأمان ویساعد فی نموه بشکل صحی . أما إذا کانت سیاسات التعلیم غیر ذلک أی أن تحکم اللغة الرسمیة بقهر منذ البدایة ، فسیشعر الطفل بأنه قد یکون غیر مرحب به کما هو وعلیه إذن أن ینزع لغته (أی هویته) عند باب المدرسة . لقد أثبتت البحوث أن الأطفال الذین یتسنی لهم مسبقاً التمرن بلغتهم الأم فی المدرسة التمهیدیة ، یتفوقون دراسیاً بشکل أفضل . فیکون هذا جسراً مابین اللغة فی المدرسة التمهیدیة واللغة البیتیة . . معرفة الطفل بلغته تساعده علی تعزیز ثقته بنفسه . حینما یرفض المرء لغته و یستبدلها بلغة أکثر تقدماً وحضارة حسب تصوره ، فهو یقر بأنه متخلف . الهیمنة اللغویة تؤدی بشکل أو بآخر إلی الهیمنة علی الفکر والروح ، ولهذا فإن أغلب الذین أضاعوا لغتهم الأصلیة – الأم ، یعانون وإن نجحوا فی الدراسة أو بلغوا مراتب علمیة عالیة یعانون الشعور بالضعف والإحتقار . أی أنهم یکبرون وفی نفوسهم شعور بالدنائة . من هنا لابد لنا أن نعی تماماً أهمیة اللغة الأم ونسعی بکل ما نملک من قوة وإمکانیات علی الإهتمام بها ، علماً أن هذا التحدی لم یکن تحدیاً سهلاً وبالذات فی مجتمعات تعانی من ضعف التخطیط اللغوی وغیاب السیاسة اللغویة المبنیة علی منهجیة علمیة دقیقة ، بل فی مجتمعات تبذل قصاری جهدها لتهمیش اللغات المحلیة وإقصائها أو تحقیرها بحیث یخشی أهلها استعمالها بسبب تعرضهم للتعامل المختلف إن لم نقل للتحقیر والإستهزاء والسخریة . ولکن ورغم أن وضع اللغة الأم فی مجتمع ما مرهون بالموقف الإیجابی الذی تبدیه الحکومة والمؤسسات من جهة وأهل اللغة من جهة ثانیة وبتعاون صادق فیما بینهم لخلق مناخ إیجابی لممارستها فی مجالات مختلفة وعلی مستویات عدة ، نؤکد بأن المسؤولیة تقع أولاً وآخراً علی أهل اللغة .           

 

«عبدالکریم الأهوازی»

 

**********

 

1-      الخصائص ، أبوالفتح عثمان بن جنی ، تحقیق عبدالحکیم بن محمد ، الجزء الأول ، المکتبة التوفیقیة .

2-      التفکیر اللسانی فی الحضارة العربیة ، عبدالسلام المسدی ، الدار العربیة للکتاب ، 1981 .

3-      اللسان العربی وإشکالیة التلقی ، مجموعة کتاب ، مرکز دراسات الوحدة العربیة ، الطبعة الأولی ، 2007 .

4-      فلسفة اللغة (تفکیک العقلی اللغوی) ، سامی أدهم ، المؤسسة الجامعیة للدراسات والنشر والتوزیع ، الطبعة الأولی ، 1993 .

5-      انقلاب زبانی ، دیوید کریستال ، ترجمه شهرام نقش تبریزی ، انتشارات ققنوس ، چاپ اول ، 1385 .

6-      زبان شناسی اجتماعی (درآمدی بر زبان و جامعه) ، پیتر ترادیگل ، ترجمه محمد طباطبایی ، انتشارات آگاه ، چاپ اول ، 1376 .

7-      مباحثی در دو زبانگی از دیدگاه علوم اجتماعی ، امیلیا نرسیسیانس ، نشر پژوهشکده مردم شناسی ، چاپ اول ، 1382 .



* نقلاً عن موقع : www.swissinfo.ch .